الثلاثاء، ديسمبر 19، 2017

من هو مارون النقاش ..؟

مارون النقاش انتبهوا للإحتفال
بعد 30 أو 300 سنة



هذه مقالة للاحتفاء بريادة ، "مارون النقاش 9 شباط 1817 " ، وهو المسرحي الذي باشر العرض وبشروطه العالمية وللمرة الأولى الكتابة بوعاء اللغة العربية . فأصبح لنا معه وانطلاقا من ما نشره  له شقيقه نقولا من مسرحيات ثلاثة في كتاب واحد بعنوان "أرز لبنان" وذلك بعد 30 ثلاثين سنة على أول عروضه المسرحية سنة 1847. وقد قامت جامعة الكسليك بإعادة نشره سنة 2009 مقدما له وحققه الدكتور نبيل أبو مراد. كما ان الكتاب كان من الممكن له ان يتخذ عنوانا مختلفا كان يجول في خاطر الرائد المسرحي اللبناني ،وهنا الإشارة الى البحث عن تسمية مختلفة للفرقة المسرحة التي جمعها "النقاش" في بداية الامر وقد اسر بهذا الشعار ،أو لاسم،  للرحالة الانكليزي " د. اركيوهارت" باعتباره يفكّر برسمه على الستارة وهو مأخوذ من آثار بعلبك ليتحول بعدها ،وعلى نصيحة من الرحالة الإنكليزي ،الى الأرزة. 




يمكننا الجزم انه وحتى الآن لم تقرأ مسرحيات "أرزة لبنان" الثلاثة قراءة مشهديه تفصيلية .والأكثر مدعاة للعجب وإثارة للاستخفاف بالمعرفة هو عدم تناول القيمة الموسيقية الواضحة في الأعمال كما وضعها في سياق البنية المؤسسة للأشكال الموسيقية التي ستخرج من التقليد الى التنويع والتطوير ، بالارتباط بالسائد من الموسيقى التركية وتطعيمها بالفلكلور وخلافه وصولا الى النسق والأشكال التي قدمتها الأوبرا بأنواعها، الامر الذي يتطلب الكثير لإنجازه. غير اننا نكتفي بتكرار شواهد مجتزأ منها  كلام ناقص فلا يعطي الصورة الكاملة عن اسس العرض الذي كان.
 بهذا السياق من النافل القول هنا ان مدارسا ونظريات تتحدث عن ان المسرح هو قبل كل شيء "عرض" ، أي ما تلخصه مقولة " أدب يمشي على قدمين "، ويأتي لاحقا نشر النص . بما يخالف من يذهب الى "تقديس" النص المسرحي واعتباره هو الأساس ولو ذهبنا في هذا المسرب الى اعتبار ان المسرح هو الوسيلة المتبعة من التواصل ، وهي الأولى في اتباعها خاصية الحوار بما يعني تعدد الأصوات ،التي استخدمتها النخب بالتعاون مع السلطات المتعاقبة عبر لعصور ونظم الحكم المتبعة .   
نتحدث هنا عن عرض مسرحي ،ثبت في كتاب مطبوع كان الاسلوب الوحيد المتوافر حتى ايامه للتوثيق ، أطلق تقليدا لكتابة المسرح ، ليصبح لنا ذاكرة من بعده صنعها كتاب ومؤلفين لمسرحيات وصناعا لعروض، ممثلين ومخرجين وعمال حرف محددة .فيما سيعتبر ، ولو بشكل مفترض وبلغة الحاضر، المجال الحيّ لخلطة تلاقي الأسطورة بالتاريخ ، بما ينبني على وقائع يقابله الخيالات والأحلام ،وأثر تلك الكتابة على الاستعادة الإخبارية لوقائع ممتزجة بلغة المنتصر على روايتها ،أو اثر مالكي وسائل التعبير عنها ،فيما سيعرف بالمسرح وهو دائما كان الى جانب مالكي الوسائل ورعاتها مع الجمهور .




ربما ما تتمتع بها هذه المساحة العارية من قدرة ، تعبير عن الحضارات واختلافها وانسجامها ومقابساتها ، فيما سيعرف دائما بالحقل المغذي للحوار والتواصل والتعارف والتعامل مع المجال الداخلي ، الفردي الذاتي والحميم للإنسان ،وما هو اجتماعي جمعي ،جمهوري حاشد ، أو متقابل متحاور، وبالتالي مبتكر للديموقراطية كمسرب لتنظيم العلاقات حول السلطة واسلوبا للاختلاف والتشارك بالمواقع تناغما مع أقليات وأكثريات في مدينة ،هي المساحة المشتركة ، يتقاسمها الجميع.
هذه الخشبة وقبل ان نقارنها بغيرها أو بمخالفها و خلافها واختلافها باللغة والأسلوب والمشهد والامكانات وبمختلف المكونات فيها مما يتجمّع لبنائه من فنون الشعر والمحاكاة والزخارف المعتمدة للصوت وتحايل الصورة على المزج والإضافة والعمارة وما تلبسه وما يلبسه الناس طبقات وأصحاب مهن وحرف عمادها الابتكار.





هذه الخشبة ، وما كتب لها وما عرض عليها ،بعيدا عن مظاهر أخرى للاحتفال البدائي أو المركب والحاضن لمشاعر التضامن والتكافل والتأسيس لعصبية جامعة ، كما هو حاصل ويحصل دائما في تظاهرات الحشود لذاكرتها الجامعة أو استذكارا لتفلت من العقائد والقيم الأخلاقية المتعارف عليها ، فيما قد يحيلنا الى الكرنفال وما شابه ،وبعيدا أيضا عن الإصرار على ليّ " شكل " المقامات كنص أدبي بشروطه والابتعاد عن "تقويله" ما لا يحتمل ، الى ما ينسحب على أشكال ومظاهر أخرى من المشهديات ، لنقول في نهاية المطاف ان " مارون النقاش " زرع بذار كتابة المسرح عبر الخطاب باللغة العربية. بعده كرت السبحة !
بالمناسبة لم تحفظ لنا الذاكرة من " مارون النقاش " سوى ما سبق وعرضه هو ،بدون ان يكون له هو شخصيا القدرة على متابعة تحول ما انجزه الى كتاب باعتباره مؤلفا أصيلا أو معدا أو مقتبسا وايصاله الى النشر، ويأتي ما قام به أخوه "نقولا النقاش " وبعد سنين على الإنجاز ،هو حفظه لثلاث مسرحيات هي كل ما وصلنا من هذه المغامرة الرائدة بدون ادنى شك.
لا يفوتنا التسجيل انه ،وربما لم ننتبه كما كثيرين، لحلول ذكرى مئتي سنة على ولادة مؤسس المسرح بالعربية. وهي ذكرى مرت بدون اي تفكير من قبل المسرحيين العرب أو اللبنانيين
بما يستوجب ذلك من التفات لما كتب من مشاهد وموسيقى واغنيات كما انه لم يلتفت ايضا سوى الى اعادت ما كتب ،وفي غالب الجديد هو استعادة وتكرار لما كتبه د. محمد يوسف نجم بدون اي تمحيص او اضافات. كما لم يخطر لأحد من محاولة تقديم اي مسرحية ،ولو بشكل أركيولوجي ولو بدون اي محاولة للتفكير بإخراج مبتكر، في الوقت الذي يحفل الريبرتوار المسرحي باستعدات لعدد كبير من المسرحيين ومن مختلف العصور.
فاتتنا الذكرى وندعي الاهتمام بالمسرح كما نخترع نظريات حديثة و جريئة وصادمة ،كلها بعيدة عن تكريس المعرفة التفصيلية بمضمون وشكل المسرحيات الأولى . كما بارتباطها بمسرحيات أخرى ، فلا دراسة مقارنة وافية، وكأن البدايات لا أهمية لها بظروفها فنسحبها الى ظروف اخرى وعصور وسنوات لاحقة ونلعب بهلوانيا ،لعدم القدرة على امتلاك الوسائل والمعارف ، ولكسل عميم نضيع الفرص والمناسبات لإعادة التفكير ولمزيد من الدراسات الجدية فيكون من النافل التمني ان ننتبه بعد عشرين سنة او بعد ثلاثمائة سنة يجب ان تظهر مناسبة الاحتفال بذكرى مارون النقاش محطة للدراسات المسرحية ولتحفيز الجدل باعتبار الأرض عطشى !
قد تكون ثمة كتابة مختلفة فاتتنا ، وقد لا تكون ،لا كنها غير واصلة بالتأكيد فبالاستناد الى ما كتبه الناقد المتابع " عبيدو باشا " هناك كتاب للدكتور "انطوان معلوف" بعنوان " مارون النقاش  اشكالية الأوبرا في نشأة المسرحية العربية" من خلال هذا العنوان تظهر اثارة الموضوع وأهميته لكن ؟ أين هو هذا الكتاب ؟






وماذا بمقدورها ان تسجله إحتفالية من العروض والدراسات التي تضع نصب عينيها الإحتفاء ب 200 سنة على ولادة من قدم وكان رائدا للمسرح باللغة العربية ؟ هل نحن على قدر هذه المهمة ؟ ومن لها ؟!  في كل هذه الأمة .
بالمناسبة تقدم احدى المواقع على الشبكة العنكبوتية صورتا لأبا خليل القباني باعتبارها صورة لمارون النقاش ..!!بجوار مادة مكررة عن النقاش !  

                                                 جان رطل           الميناء في 27 ت2 2017
 *  انشرهذه المتابعة ، المقالة ، قبل ان تمر السنة ( لمن يهمه الأمر كما لمن لا يهمه أيضا ) رفعا للإهتمام المتقطع وللنسيان المتقطع وعلى اعتبار آخر صياغة كانت منذ شهر تقريبا .. وللإهتمامات شجون و شؤون .. ! 

الثلاثاء، ديسمبر 05، 2017

شباب موسيقى البلمند

موسيقى وغناء " Soundz Good "
وافتتاح موسم النشاطات في البلمند



باكورة النشاطات العامة في جامعة البلمند لهذه السنة كانت امسية من نادي " Soundz Good " الطلابي الذي يحي موسميا حفلاته بتألق عودنا عليه ،والأسبوع الماضي حدد لنا موعد على مسرح الزاخم في الجامعة ، باعتبار انه من خلال ما يقدمه دوما من موسيقى متمكنة مدعمة بغناء فيه الكثير من معالم الاحترافية، ان لم نقل انه خلالها وعبرها يتفوق على الكثير ،من أساليب بعض المحترفين في  الغناء، من تشويهات الذوق العام.




 وهو النادي الموسيقي بالحساسيتين الشرقية والغربية التي يشرف عليها مسؤول الفريق "رامي بيك" ويتألف من الطلاب الجامعيين وبعض الخريجين من جامعة البلمند يأتون من اختصاصات  مختلفة وهم في كل الأحوال وبحسب ورود أسمائهم من قبل مقدمت برنامج الأمسية  " جودي متري " : "محسن عزيزي" عازفا على الدربكة وهو يحمل شهادة ماستر في الترجمة واللغات الحية ، "نديم اللاطي"  عازفا على الدف وهو طالب في علوم الحياة ،"كريم عامودي" عازفا على البيانو ـ مهندس ميكانيك،  "محمد بولاد" عازفا على العود ـ طبيب ،"فادي يحي" عازفا على آلة الغيتار الكهربائي الباص ـ مهندس ميكانيك ،"جورج نجّار" عازفا على الساكسوفون ـ علوم الحياة ، "كريم حمود" آلة الغيتار الكلاسيكية ـ مهندس ميكانيك ،"حسن جندي" على الكي بورد ـ  ، "محمد قدور" على الدرامز ـ  إدارة مالية ومصارف ،"عدنان جباضو" على آلة الغيتار الكهربائي ـ برمجة الكومبيوتر وغنت الفقرة الأولى من البرنامج  بالإنكليزية "ريتا كاميلوس" ـ ترجمة ولغات حية ، كما غنت القسم العربي منه "سيرينا خليل" ـ علوم الحياة.





لعل الإصرار على ايراد الأسماء مرفقة بالآلة  أو بالمهمة الفنية الى جانب التخصص العلمي هو للتأكيد على ان الهواية التي يمارسها الشباب الجامعي هي من الجدية ، 



وبالتالي المتابعة والمتطلبات المكملة من ناحية التمرس والإتقان الفردي مضافا الى المواءمة مع المجموعة هي من الأمور التي تحتاج الى الكثير من التمارين والتنسيق والحرص عل الوصول الى الانسجام وهو الأمر المحقق بأحسن صوره ،مما يجعل من النتائج الباهرة في غالب الأحيان هي بدون شك نظير عمل دؤوب جماعي ، 




كما يسمح للفرديات بالحضور بقياس و حرص مع التألق في المكان والزمان الموسيقي المناسب . قد يكون هذا من البديهيات في الحديث عن شان موسيقي لكنه ليس بالأمر الهين الوصول اليه ولا هو من العادات ، العامة والمعممة ، باعتبار المجالات المنتجة في غالب الأحيان ،وفي كثير من المجالات تؤكد على ال"فردانية" اذا جاز التعبير تغنيا بالفردية المقيتة حين يشرخ صوت لآلة صورة الانسجام أو يظهره على غير ما هو مطلوب.
غير ان " جمعية " اسم النادي يتركنا امام واقعية ان البرنامج الذي يكاد ينقسم بالتساوي ، زمنيا وحضور ، بين الإنكليزية بصوت "ريتا" التي استطاعت ان تأخذنا في سياحة ، عبر فرق تأتي من دبلن و نيوجرسي وكليفورنيا و لندن الى المانيا وغيرها وكلها اماكن علمنا أنها تعين من حيث خرجت الفرق التي استخدمت أغانيها ، وقد اتت بأسلوب طرحها وانفتاح الصوت على مساحاته بأناقة وجرأة للتحدث عن المواضيع والأغنيات المختارة .قد نكون ،وبشكل شخصي تحديدا ،غرباء ومستمعين للمرة الأولى لما ينشد غير ان الإحساس بالغربة غير طاغ .




رومنسية و فرادة الحكاية والموضوع ومختلف الحالات اللحنية وألعاب الموسيقيين يساندان حالة الإنصات والاستمتاع .لعل حضور البيانو والإيقاعات بمختلفها الى جانب طغيان تفرد الغيتارات وبعضا من ساكس مثل الأجواء العامة المتواترة.





ربما مهمة "سيرينا خليل" كانت أكثر بساطة لحملها الأغنيات العربية المعروفة والمستدعية للتدخل تصفيقا و تلويحا وهيصات متفلته من قبل الجمهور ، بشكل متصاعد، وبتحكم "عود" من قبل "بولاد" الى استعانات متفرقة من دربكة "محسن" و بيانو أصبح راقصا الى أغنيات ماجدة الرومي ،جوليا ،ملحم بركات وقمريه واحد بالسماء، 





الى كارول سماحة واغنية الطفولة التي ذكرتنا بتيترات الرسوم المتحركة! فا عمرو دياب وميدلي من أكثر اغنياته شهرة برقصها وفرحها وختاما مع إعداد برّاق لأغنية الرحابنة "نسّم علينا الهوا" التي ،ابعدت قليلا عن اسلوبية فيروز بالغناء بها، فتمكنت "سيرينا" ان تلهب أكف من بقي صامدا الى هذه اللحظات بدون حراك في اتجاه ما .






امسية الأصوات الجميلة والموسيقى المشغولة والطاقة الدفاقة الرافلة بسيولة استخدام الشباب لأمزجتهم بدون استيحاء ولا فائض صدام للسائد والجميل من مختلف انواع الغناء والموسيقى. 





في الإنشاء   



الثلاثاء، نوفمبر 21، 2017

الإستقلال .. الإستقلال ,, من وجهة نظر الشهداء .. والشهود من طرابلس

الإستقلال .. الإستقلال ,, 
من وجهة نظر الشهداء .. والشهود من طرابلس




تحقيق : جان رطل
هذا الموضوع كتب ونشر في العام 1994، أي منذ 19 سنة، ونشر في جريدة «اللواء» الغراء التي تصدر في بيروت، حيث كان الزميل جان رطل يزودها بالتحقيقات ويكتب فيها حول القضايا الثقافية والفنية الخ... وإذ تعيد «الإنشاء» نشره اليوم في الذكرى 70 للإستقلال دون اي تدخل في نصه او اجراء اي تعديل على مضمونه... فلكي يتم حفظه، خاصة أنه موضوع طرابلسي محض... مع الوعد بإضافة ما تم تجميعه بعد ذلك في أرشيف «مركز محمود الأدهمي» من معلومات إضافية. والموضوع بنصه الذي نشر العام 1994 هو التالي:
أنا بعرفوا تاريخنا ناطر كف من غيمة ./زياد الرحباني - نزل السرور 
"إن تاريخ بلادنا ناقص نقصاناً كبيراً، وفيه تقاطع، وحلقات مفقودة، وفيه إعراض عن شروح ضرورية لا يستقيم الواقع الحقيقي بإهمالها الجذورالتاريخية للحرب اللبنانية  / يوسف ابراهيم يزبك




نحتفل بالاستقلال كل عام يوم 22 تشرين الثاني والحكاية الرسمية هي المتداولة وتسقط من حسابها «السواد الأعظم»، «الجماهير»، «المواطنين» وتسميات أخرى. فالقادة يختصرون في حضورهم والهالات كل التضحيات و... وقد رسخت الروايات التي قرأناها في كتب التاريخ هذا المنحى ولم يخطر بالبال سوى ان الاستقلال حصلنا عليه بانتخابات حرّة ونزيهة أفضت نتيجتها «في ظل الانتداب» الى إيصال كتلة تاريخية متجانسة متحالفة معبرة عن آمال التحرر فأقرت تعديلات دستورية، فاعتقالات، ف... إطلاق سراح الاستقلال في 22 تشرين الثاني.
هذه هي العناوين الكبرى أما عن حصول تظاهرات ومجازر وشهداء بين الاعتقالات وإطلاق السراح فللمتخصصين وحدهم ان يعرفوا او يتعارفوا على بعض التفصيلات، والتي بلا شك لا يمكن ان توجد في مرجع مطبوع واحد وإن وجدت فمجتزأة وناقصة.
هالني أن أعرف ومنذ مدة ليست ببعيدة لا تتجاوز السنتين أنه في طرابلس وفي غمرة الأحداث التي حصلت بعد اعتقال رجالات الاستقلال سقط ما يتراوح عدده وعلى اختلاف المراجع بين تسعة شهداء وأربعة عشر شهيداً من الفتيان الذين لم تتجاوز أعمارهم العشرة الى أربعة عشر سنة. يضاف اليهم بين الـ17 الى 25 جريح في تظاهرة يوم 13 تشرين الثاني غداة الاعتقالات وبالموازاة مع طرابلس سقط في بيروت أربعة شهداء وفي صيدا ثلاثة وفي بشامون واحد، مما يجعل عدد الذين سقطوا في سبيل الاستقلال 22 شهيداً ويزيد والذهول الذي أصبت به أمام هذه الحقيقة عائد لكوني امتهنت منذ ست سنوات مهنة الصحافة تغطية يومية للمقروء وللمرئي والمسموع أنشطة ومناسبات الخ... وكنت من بين المحطات الموسمية أقف احتراماً أمام الاصرار السنوي للملحقين العسكريين في سفارات فرنسا، بريطانيا، بولونيا، الهند، ومن يرافقهم من سفراء في بعض الأحيان او قائمين بالأعمال على إقامة احتفال بوضع الزهور والأكاليل وزيارة مقابر شهداء جيوش الحلفاء في الحرب العالمية الثانية... بالمقابل لم أتعرف على شهداء لنا نحن المواطنين اللبنانيين مع أنه يوجد شهداء لنا سقطوا أثناء الحرب العالمية الثانية ولكن غابت من الذاكرة أسماؤهم وبالمصادفة تتعرّف خلال جلسة مع من عاصروا تلك الأيام فتسمع عن غارة استشهد فيها بين الخمسة او الستة أشخاص في ميناء طرابلس و.. و.. والخلاصة المحزنة أن أحداً لا يذكر وأحداً لا يكرّم، وإن كان هذا حديث آخر.... فما أنا بصدد الكتابة عنه الآن هو محاولتي الشخصية الخائبة هي الأخرى والقاصرة عن الوصول الى معرفة شيء ولكن فيما يتعلق بـ13 تشرين الثاني 1943، ومع قناعتي بأنني في بداية الطريق لتكوين صورة متكاملة أحتاج فيها للقاءات متفرقة ومتشعبة وبشكل خاص مع أقارب الذين سقطوا هذا على مستوى طرابلس فقط ناهيك ما يتوجب ان يحصل بالنسبة لصيدا وبيروت، للحصول على صور فوتوغرافية كأضعف الايمان لكنني أجد نفسي ملحوق بالوقت وها الـ13 تشرين الثاني يدق الباب و... لن أفصح عن الوضع المخجل الذي ترزح تحته مدافن شهدائنا شهداء استقلالنا...
... قد يصيح قائل: ما بالك تفتح القبور المغلقة؟ فأجدني مسكوناً، بل مهجوساً بدماء طرابلسية منسية استطابت مذاق الاستقلال.
وحسبي أني بلقائي مع ثلاثة شهود ممن كانوا يومها فتياناً، من عداد الذين تظاهروا ضد «الاستعمار» وبنقلي لرواياتهم للحدث أنعش بعض من ذاكرة تقادمت عليها الحروب وجعلت للحدث طعم المصالحات مع التاريخ والأعداء والأصدقاء!.





أحمد نديم البيسار
ماذا يقول احمد البيسار:
كان عمري 12 سنة، يا أخي نحن كنا مصطافين وقتها في بخعون، نزلنا من بخعون، الوضع كان مخربط، بيتنا كان بباب الحديد وأنا أتعلم عند الشيخ اشراقية، يومها كالعادة رايح لعند الشيخ من باب الحديد، مرقت على الشهداء لاقاني الشيخ تحسين الثمين الله يرحمه، جارنا، هو واقف ومعو ثلاث أربع أولاد... تعا يا بيسار!.. عيّطلي هيك جئت قال لي: وقاف هون مع الأولاد.. قفوا هنا وكل ما مر ولد يعيّطلو.. الشيخ تحسين رجل عالم وكانت كل العالم تحترمه في باب الحديد.. يومها البلد كانت صغيرة باب الحديد والسويقة وهو كان خطيب جامع البرطاسي، كان خطيب من الخطباء تتكاثر الناس لسماع خطبته.. والله صرنا بين 16 والـ18، لم أعد أذكر العدد الكل كان ذاهب او الى شيخ شراقية أما الى الشيخ ظافر. عندها قال لنا أنو ليلتها أخذ الفرنسيين عبدالحميد كرامي من بيتو مع آخرين راشد المقدم وعبد اللطيف البيسار (!؟). وقبل يومين كان حاول الفرنسيين الدخول الى «القصر» تصدى لهم بعض الشباب سقط سعيد الشفشق واعتقل محمود الدنون مصاب. البلد كانت مسمومة، الحاصل طلب منا تسكير البلد... انتو بتطلعوا بتسكروا البلد ونحن اولاد من 10 الى 14 سنة... فلتنا من هناك في سوق البازركان وكل محل نلاقيه نسكروا اللي ما يسكّر بالحجارة، بالقضبان، بالعصي، والله أنا أذكر شلفونا عصا صغيرة كانت بإيدي حطها على الباب الحديد، كانو أول ما درجوا أبواب الحديد، حطها هيك وكركر... رر تنزل تبدا العالم تسكر والعربات تهرب. سكرنا سوق النحاسين وسوق البازركان ومن هناك ونحن رايحين الى السرايا كانت طالعة من هناك شاحنات فرنسية رتل، الناس ضربتها بالحجارة. أذكر أنا تعمشقت أنا وواحد اسمه عبدالغني أبو لقمة لحقنا آخر واحدة صعدنا وكانت محملة تنك بنزين، كان البنزين مفقود يومتها، كمشنا كل واحد تنكة وشلفناها على الأرض.. تفختو وتكسروا... هربنا الناس حملت تنك البنزين وهربوا وذهبت الشاحنات. بعدها برمنا طريقنا باتجاه البنك العربي.. هناك كان فيه جنينة مزروعة موز باتجاه الحلاب كان فيه كراج للترمويات هناك صرنا كثار لقيت أنه أصبح معنا مشايخ وعلماء وطلاب مدارس ومعلمين وفيه وجهاء من البلد.. من المطابع الى الصفدي الى حيث الـ«أ.ب.ث» الآن ماشيين باتجاه طريق الميناء... حيث كراج الأحدب الآن ولم يكن طريق بيروت الحالية لم يكن إلاّ الطريق الى الميناء وبالنّص كان فيه شجر دلب كل واحدة منها بدها زلمتين ليكمشها. نحنا وتحت هالدلبات على آخر الدلبات هونيك طلعوا علينا الدبابات... دبابات فرنسية، أنا كنت شايف قبل منها عند المنشية - الصوفي كنت شايف سيارة جيب ضابط فرنساوي أبرص ومعو كم واحد فرنسي وسنغالي بالجيب المسكر. هون ضربناهن بالحجران، لاقونا من ثاني مفرق وطلعوا الدبابات... هونيك الدبابات «بلشو عن أبو جنب» في يدي عصا طلعت على جنب دبابة صغيرة بدي اضرب هيدا العسكري هيدا الضابط الفرنسي اللي عم يعطي أوامر أنا طلعت على جنبها ما بعرف كيف فتلت كيف فاتت إجري وخرطتلي إجري خرططها كانت مزوّعة منيح وعلقاني هيك نتفة صغيرة أنا أغمى عليّ.. ما عدت وعيت إلاّ أمام قهوة فهيم هونيك سيارة الزبالة تبع البلدية (يضحك) قتلى بيطلع عشرين واحد وأنا منهم من الجملة مع القتلى ولا زلت أذكر رجل هو ابن الحميصي كان موظف بالبلدية قال لي انت ابن مين قلت له: انا ابن نديم البيسار أريد ان يخبر أحدهم أبي وأهلي وغبت عن الوعي...
... بعدها يخبرنا عما حصل معه في المستشفى الحكومي يللي هو تحت سيطرة الفرنسيين وكيف كانت قدمه معرضة للبتر وكيف هرّبه أهله منها وتمكن من الاحتفاظ بها بعد معالجة طويلة في مستشفى الاميركان في الميناء أما عمن يذكرهم من الجرحى والقتلى فيعدد أذكر سليم الشامي كان معه فرد نمرة 7 يقوص عليهم هو الوحيد من كان معه سلاح.. قتلوه.. كان شاب جميل يلبس شروال عربي.. أيامها من معه فرد نمرة 7 يشار عليه بالأصابع. ومن الجرحى أذكر عبدالرحيم حيد أكلها بكوع يده وهي حتى الآن لا تتحرك كان موظف في بنك والآن مسافر في أوستراليا، برهان الشامي أصيب أما عن الصورة التي لا زالت معلقة في ذهني فهي كيف سقط رمزي حجازي عن شجرة الدلب وكأنه عصفور اصطادوه كالعصفور الله يرحمه.
محمد صافية




ماذا يقول محمد وطه صافية حول أحداث ذلك اليوم؟
في يوم 13 تشرين الثاني، قبل كل شيء لا أذكر كيف وصلنا خبر المظاهرة لكن يمكن عن طريق أخي بالمدرسة، ونحن عادة كل حدث نريد ان نساهم ونشترك فيه، او ممكن عن طريق أبي حيث كان يعمل في مصنع فيه حوالى 60 عامل أغلبهم من جماعة عبدالحميد كرامي «أبو رشيد»... يومها طلعنا أنا وأخي سيراً على الأقدام وصلنا طرابلس وكانت المظاهرة وصلت بالقرب من «كراج الأحدب» حالياً هناك التحقنا بها وسرنا معها، هذا هو مطلوبنا، وصلنا الى شارع المصارف الآن الموصول بشارع الجميزات وعلى المنعطف ظهرت ثلاث أربع دبابات ووراء المنعطف كان يوجد دبابات. على الدبابة الأولى وفي فجوتها كان ضابط فرنسي أذكر شكله يمكن ان أتعرف اليه اذا ما شاهدته أعتقد أنه مات الآن... التظاهرة بقيت متقدمة، الضابط يعطي إشارة، يمكن الدبابات كانت تحمي مركز للأمن العام بشارع الجميزات... كان للفرنسيين... وكان هناك مفوض سامي او مسؤول كبير بالأجهزة الفرنسية لا أعرف صفته بالضبط.. المتظاهرين كانوا يتجهون للاحتجاج هناك أمام مركزه على اعتقال زعماء الاستقلال عبدالحميد كرامي، بشارة الخوري، رياض الصلح وغيرهم...
... فالضابط الفرنسي بيعطي إشارة لأنو اللي كانوا معو سود «عبيد» من السينغال.. وتبلش الدبابات تواجه الناس.. والكل كان طلاب وعزّل وممكن ما فيه عصا.. يعني أول دبابة دبابته دخلت بين الناس.. واجهت الناس.. مثل الموج بالبحر.. يعني كيف زورق بخاري يشق الموج، شق الناس، وبدا الناس.. أنا كان أخي صوب مني بعدما «ركدنا شوي» يقع أخي متعثراً بالرصيف فأسحبه من الشارع وأتركه على الرصيف وأكمل ومن باب حديد، مدخل عمارة، أدخله وأصعد الى الطابق الثاني وأشاهد ما حصل في الشارع دماء القتلى والجرحى على الأرض.. في هذا الوقت يصل الدفاع المدني.. أذكر أحد العاملين بالاطفائية، أعتقد أنه لا زال على قيد الحياة، يلم القتلى والجرحى ولا أزال أذكر قميصه الأبيض الملطخ كله بالدم فتحول أحمر هذا ما أذكر... صوت الرصاص وعرفت ان ثروت الأفيوني قتل وقتها أذكر اسمه لأنه من الميناء ولأنني أعرفه ابن الميناء باقي اسمه بذاكرتي هذه الحادثة من 51 سنة وهذا ما أذكره وأخي أعتقد أنه يخبرك ما صار معه لأننا افترقنا من وقوعوا على الرصيف ولم نلتق إلاّ بالبيت بعد الظهر يومها...
رواية طه صافية




الحديث الذي تفضّل وحكاه أبو نوري عندي صورة عنه وبالنسبة لي وقت الحادث كان عمري 10 سنوات. وقت وقوعي على الطريق نصفي على الرصيف والنصف الآخر على الطريق و«الدبابات ماشية» وقعت وقتها بسبب الهيجان، وبسبب الناس الذين مرقوا فوق الناس، مثل ما شرح لك «أبو نوري» «لنش وماشي» والماء على الطرفين قسموا الناس بشكل همجي، لم يتصور أحد من السائرين بالمظاهرة السلمية ان يحصل ما صدر عن السلطات الفرنسية في ذاك الوقت. كانت معروفة الأعمال القمعية ولكن ليس بهذا الشكل. فأنا وقعت على الرصيف وانضرب رأسي ونزل مني دم كثير.. كل ثيابي صارت دم بعدما وقفت رحت على الباب كان فاصل بين طريقين الجميزات وطريق المصارف ومن هناك مشيت مع الناس الذين كانوا متجهين صوب مقر المفوض السامي الفرنسي حسب اعتقادي. تجمهرت الناس هناك أمام البناء وكانوا حوالى 150 او 200 شخص وكانوا يهتفون لا أذكر الكلام ولكن المعنى واضح احتجاج على ما عملوه بالمظاهرة وعلى اعتقال قادة الاستقلال على رأسهم بالنسبة لطرابلس عبدالحميد كرامي..



هذا كل ما أذكره بعدها لم تطول المظاهرة لأن إطلاق النار العشوائي صار.. طبعاً كان أكثر شيء من فوق العالم. والمظاهرة انتهت بهذا الشكل. كل واحد أخذ اتجاهو أنا عدت الى الميناء، سيراً على الأقدام، صار الناس تسألني: كيف أصبت.. فحكينا لهم عن الحادثة كيف صارت.
أسماء الشهداء
قافلة الشهداء الذين سقطوا في طرابلس خلال التظاهرة في 13 تشرين الثاني، وهي مجمعة من أكثر من مصدر وليست نهائية بالضرورة، تضم «14» شهيداً، أما الجرحى فالمصادر إياها تختلف. فمنهم من يقول أنهم 17 ومنهم من يؤكد أن عددهم يفوق الـ25 وبالحالتين لا توجد أية معلومات عن أسمائهم.. أما أسماء الشهداء المجمعة من صحف وبعض الشهادات الشفهية فهي:
رشيد رمزي حجازي، فوزي قاسم شحود، محمد ثروت عبدالغني أفيوني، عباس ابراهيم الحبوشي، محمد علي حسين خضر، أحمد صابر كلثوم، عبدالقادر مصطفى الشهال، كمال عبد الرزاق ضناوي، وديع خاطر بركات، أحمد صابر جوجو، محمد حسن المحمد، سليم الشامي.

السبت، سبتمبر 30، 2017

الواجهة كمان وكمان // أو في فن عمارة المدينة ..!

 
النص مستعاد من ذاكرة "مدونة للثقافة في زمن الغرابة" أي هذه المدونة التي ورطني بتأسيسها "زياد أيوبي"، لن اقول العزيز فهو يعرف مشاعري تجاهه ، وفد قام بنشره الاثنين، أبريل 23، 2012 بعنوان // أمام " الواجهة " البحرية. هذه الأيام استعيده وأعيد قراءته ،مع انه نص طويل.. ،غير اني كنت أخطط لسلسلة من المقالات حول فن العمارة في المدينة ،فشلت في المتابعة ، ربما،أو خبأت ما كتبت، غير ان ما حصل أخيرا على الكورنيش أرجعني الى الحديث المتقطع عن "الجمال".فوقفت امام البحر وتذكرت اني سبق وكتبت مـــا كتبت وشئت ان أعدل بعض الكلمات ،فكل نص قابل للنقض والتعديل فهو نص يعيش ويترهل،كما اني رأيت انه من الأفضل ان يزيّن ببعض الصور تجمعت لدي من خلال متابعاتي للأصدقاء على الفايسبوك فشكرا لهم على ما استعرته من صورهم .وهذا هو النص المتجدد، القديم :
أمام "الواجهة" البحرية
من مرفأ إلى ملعب ،محاط بثغر يلاطمه رذاذ ماء البحر تتلوى متراقصة، واجهة، طرابلس/ الميناء ، تسيربحثا عن صورة لوجه أو تأكيداً لعمران على هذه الأرض مع حكاياته ونوازع أبنائه في البقاء أو في تحدي غمار اليمّ. "ميم" في كل اسم.
 "ميم" من "مسكن" وجاهة يعاند جبينها كل صروف الحياة واثلام السنين. 



"ميم" يحرف مرفأها إلى الشرق وملعبها إلى الغرب يا..ه ه! ما لهذه الصورة أن تقول. من بين، موقع ولادة الشمس وبين مطارح الأجداد في إغفاءتهم والباقين من الإخوة والأحبة والسابقين، " تتظهّر " الصورة بواجهتها.
للحديث عن تحولات "الواجهة" البحرية للمدينة، الواحدة جغرافيا وتاريخيا، في بلديتين أو قل في أربعة وخمسة ،حيث يفرض الوقت والتمدد الطبيعي ذلك، لا بد من الاستئناس بمن زارها يوما وكتب بضعة اسطر في كتاب تاريخ أو في وصف رحلة كما فعل "ناصر خسرو" وهو يقول: "أسواقها جميلة ونظيفة حتى لتنظر أن كل سوق قصر مزين". (خسرو 1045- 1052 م). أما ما يترك في البال أكثر من سؤال فشهادة محمد بن محمد الشريف الإدريسي الجغرافي الذي صنع كتاب خريطة العالم من 70 خريطة جزئية وذلك سنة 549 هـ الموافق 1154 م. ووضع لكتابه عنوانا ينفع لديوان شعر: "نزهة المشتاق في اختراق الآفاق".




ومنه نقتطف وصوله إلى طرابلس: "من مدينة جبيل على البحر إلى حصن بثرون عشرة أميال وهو حصن حسن ومنه إلى أنف الحجر على البحر خمسة أميال ومن حصن انف الحجر إلى مدينة طرابلس الشام ثمانية أميال ومدينة طرابلس الشام مدينة عظيمة عليها سور من حجر منيع ولها رساتيق وأكوار وضياع جليلة وبها من شجر الزيتون والكروم وقصب السكر وأنواع الفواكه وضروب الغلات الشيء الكثير والوارد والصادر إليها كثير والبحر يأخذها من ثلاثة أوجه وهي معقل من معاقل الشام مقصود إليها بالأمتعة وضروب الأموال وصنوف التجارات وينضاف إليها عدة حصون وقلاع معمورة داخلة في أعمالها مثل انف الحجر وحصن القلمون وحصن أبي العدس وارطوسية ولها من أمهات الضياع المشهورة المذكورة أربعة فمنها الضيعة المعروفة بالشفيقية والزيتونية والراعبية والحدث وأميون وبها من شجر الزيتون وأنواع الفواكه أكثر مما في غيرها ومنها في جهة الجنوب حصن بناه ابن صنجيل الإفرنجي ومنه افتتح اطرابلس وبينهما أربعة أميال وهو حصن منيع جدا وهو بين واديين ويقابل مدينة اطرابلس أربع جزائر في صف فأولها مما يلي البر جزيرة النرجس وهي صغيرة خالية واليها جزيرة العمد ثم إليها جزيرة الراهب ثم إليها جزيرة أرذقون ومن مدينة اطرابلس على الساحل إلى  (...)




في قراءة لهذا النص نلاحظ أن على طرابلس "ينضاف" أنف الحجر- أنفة، حصن القلمون- القلمون، حصن أبي عدس-؟؟، ارطوسية-؟؟. أما ما يلفتنا أكثر دعما لحركتنا، في تتبع شاطئ المدينة وما تبدل فيه من عمران، فيقول أسماء أربع جزائر: النرجس، العمد، الراهب وارذقون وكلها أسماء لم يبق من استخدامها أي ذاكرة "حية" والمقصود أنها لم تعد متداولة بين سكان المدينة وأهل الجوار ممن يرتادون البحر للنزهة وللاستمتاع برياضات السباحة والغطس وغيرها من نوازع الصيف على الكيف!
تبدلت أسماء الجزر الآن، فما هو متداول وبالتداول من الشاطئ إلى عمق الحبر هو: جزيرة البقر/ زيرة عبد الوهاب، الرميلة، البلاّن، العشاق، الثالثة، طوروس- سننة، النخيل أو الأرانب وآخرها الرامكين- الفنار. أين الفنار اليوم ؟ تغيرت أسماء الأرض غير المأهولة. أما على البر فالحكاية طويلة قد تصل إلى ما يفوق السبع كيلومترات طول المسافة التي يمكن تقديرها من المرفأ إلى الملعب الاولمبي. ومن الشرق يمكننا أن نتهادى لننطلق بين الأماكن والأحوال وأزمنتها لنكتشف كم تبدلت الصورة أو كم تداخلت عوامل كثيرة في التعديل والإضافة والاختصار. دعنا من برج رأس النهر لنبدأ من ما بعد، فكل آثاره قد آلت إلى اندثار وذلك ما حصل لأربعة أبراج أخرى، على اعتبار أن الباقي هو "برج السباع" فقط، بانيه الأمير سيف الدين براسباي، مع الأخذ بعين الاعتبار أن "برج عز الدين" ما بقي منه تحول إلى ركيزة الدور الأول لمبنى كبير مؤلف من عمارتين يطلق عليه العامة اسم مبنى البرج. ومن طريف حالته المعمارية انه مزخرف بخطوط تفصل الطوابق بعضها عن بعض تعود بأسلوب واضح إلى العصور اليونانية!





في عودة إلى التسلسل ، والانضباط على نفس المسرب والاتجاه الامر الذي لن يحصل بسهولة، نتجاوز كتلة المرفأ المتعددة التكاوين من أرصفة وعنابر وأراض مخصصة للتخزين مع وجود الاهراءات المخصصة لتخزين الحبوب وما يضاف إليها من مباني المؤسسات الحكومية على أنواعها والتي تعرضت في السنوات القليلة الماضية إلى بعض التعديلات الطفيفة أبرزها طول "السنسول" الحامي للأرصفة من كسر الموج في العواصف والأنواء.
بعده نصل منطقة متداعية الآن وهي محطة القطار والتي أصبحت مستودعات متآكلة ومنهارة إلى جانب ما يعتبر من قطارات بمثابة قطع من مخلفات الإهمال والتاريخ. بعدها تصل لقطاتنا البانورامية " الحوض الناشف "، الذي يبدو في هذه الأيام وكأنه يستعيد بعضا من تألقه في الأيام الماضية فهو يستقبل "البواخر" من أحجام محددة على بلاطته لإتمام عملية التأهيل والترميم للجسم الخارجي كما للمحركات في بعض الأحيان وهذا ما يضيف منظرا مغايرا للمراكب الراسية في كل مكان حوله كما يبدو جسم "الباخرة" المسحوبة للإصلاحات تعلو فوق مستوى المباني المحددة الارتفاع في الجوار.
"القصرين"




لكن الأمر لا يصح في حالة دارة علم الدين- يحي، أو ما أصبح يعرف بـ"قصري دولة الرئيس ميقاتي" اللذين ينتظران استعادة حضور معماري "عثماني" مطعّم بحرفيي ايطاليا الذين اعتادوا تزيين بيوتات "الأكابر" أو هكذا نتصور. أول ما غاب عن الواجهة وبقي في مكانه يبرز "قصر غازي" الذي يجانب "جامع غازي" الجميل الكائن في الشارع الحميدي. هذا البيت المكنى بالقصر لم يعد على مقربة من البحر لان الردميات أبعدته أكثر من ستين متراً مفسحة المجال لحديقة عامة تتجاور مع موقف للسيارات ومسربي الكورنيش مع طريق للمشاة ومرفأ للصيادين. الحديقة بأشجارها المرتفعة حجبت "القصر" وما هو كائن تحته من مقاه شعبية أشهرها "قهوة رومية".
جامع عمر بن الخطاب بقي متقدما على كل الواجهة بشكله الأصلي وبالإضافات، قاعة الفاروق وتوسعة الردهة المجاورة للكورنيش، وهو بذلك يتقدم إلى البحر على الجامع العالي لكنه أصبح بعيدا عن أمواجه. بالجوار مبنى الجمارك الحديث نسبيا، والذي أقيم، مع جامع عمر، على أنقاض مجموعة من المباني خلال أحداث 58. إلى الأمام وباتجاه سقالة الفرنسيين! تبدل الواقع كلياً فالقصر البلدي الجديد يخفي عليك "عنابر" الحبوب التي أصبحت "سليب كومفورت" وبجوارها خان ألتماثيلي من جهة، ومن الجهة الأخرى مبنى السينما الملاصق لـدائرة "بيلوت" المرفأ المجاور. بدورها ومن موقع مكاتب ال" IPC " كانت ترتكز الواجهة العثمانية للمدينة، إدارة فندق ومخازن مواد غذائية ،حيث تبعها لاحقا حضور بحارة نفط العراق ومرشد السفن حين وقعت البلاد تحت الانتداب!



 القصر البلدي الجديد، هنا إذا، حاول مهندسه "اسبيريدون روحانا" أن يستفيد من الحجر الرملي على حداثة في تفصيله وتحضيره ليصبح واجهة متمازجة مع قناطر ألبست الرخام بلونه الترابي "الفاتح". ليس غريبا أن يكون ارتفاعه متناسبا مع الخلفية وهو ككتلة استفاد من امتداد طبيعي للمساحة المتروكة كممر طريق مضاف إليها فسحة مزروعة كحديقة تزيينية مع ما هو كائن على شرفات معلقة تعطي للناظر إليها ايحاء بوجود جنائن صغيرة معلقة مزينة بالنباتات. فيقدم هذا الأثر الجديد معماريا ثقلا وخفة في آن خاصة عند معاينة الواجهات الكبيرة الشفافة التي توحي بكبر وأهمية وارتفاع ، شأن أعمدته والأفاريز، والوجهة المنتظرة والمعروفة لاستخدامه كصرح عام يقدم خدمات معروفة ومرغوبة بالنسبة للمواطن.
وقد يمثل هذا القصر، مع الفندقية والجامعة العربية، بواجهته الحجرية من خامة "الرملي" قاسما مشتركا بالتزامن خيارا "المعماري" لمواد البناء. ولكن بالإمكان التفريق بينهم، بحجم الكتلة، ومواصفات الضخامة للواجهات كما للحداثة من جهة ، ومزاوجة التقابل والتوازي بين التقليدي بالمبتكر. وأخيرا يمكن الإضافة أن هذه الصروح المعمارية بحضورها ومواقعها ووظيفتها ، وما ستحدثه من تبديلا ودينامية بالجوار، كم ستمثل أو كم هي ستكون ،بدون شك، معلما يحدد مواقع العمائر اللاحقة وبوصلة للتحرك سيستفيد منها القاصي والداني.
إذا ما انتقلنا متجاوزين مواقع، بعضها وهمية ألآن وكانت تاريخية فيما مضى، كسقالة الفرنسيين وأبو قدور ومباني "بطش" و"برط" ، نصل إلى ما عرف لفترة بحديقة "البيئة" فنعرف أننا في حرم المدرسة الفندقية المهنية العليا، الآتي اسمها عندما ستفتتح، بفندقها ومطعمها ومقهاها وهي ملاصقة لبرج عز الدين ومبنى الشاطئ الفضي، المذكِّر ببعض مفردات الباخرة من نوافذ دائرية وأشرعة الخ مما جعله قلبا وقالباً مركز المأكولات البحرية الفضي.





لنصل كنيسة، الغطاسين والبحارة، مار الياس والمدرسة التي يمتاز بناؤها بالاستعمالية بدون أي مفردة خاصة معماريا. سرعة الانتقال في هذه الفجوة يكمن لوجود التقاطع المكون من شارع "بور سعيد- مار الياس"/ والكورنيش البحري "فتزلق" الأرجل متابعة حتى الوصول إلى مبنى "يزبك" ومنه إلى مطعم نخلة، الغائب لضرورات الزمن وتحولاته.




 حيث بقي بالمواجهة لموقعه ساحة ،"فوق الريح" المستحدثة ،من براح تكوّن الردم وحيث توقف الكورنيش عند مفترق وبعض الإعاقات الطبيعية، وحيث من ذاكرة جيل بكامله يمكن اقتناص صور السباحة في مكان من أجمل الشواطئ على الساحل اللبناني. ذنبه انه "فوق الريح" ورمله نقي متلألئ ويتكور بين رأس الصخر ورأس "الحمام المقلوب" وصولا إلى رأس جورة العبد والمطران التين أصبحتا غائرتين تحت ساحة المدفع أو مرفأ "التوحيد"!( ويحكى عن مقلع لنحت الحجارة في الموقع)
تأتي وتذهب الأسماء ولا يعرف لها مستقرا واضح المعالم لأنه ما تبقى من الكورنيش إلى جانب البنايات يكاد يفقد هوية معمارية واضحة، كما يكاد يتخلى عن كل ما يمت للماضي القريب من صلة.




صحيح أن ما ينتشر على الرصيف هو مجموعة مؤلفة لسلسلة من "الفانات" تشكل المقاهي الرخيصة تعاند الرطوبة الهائلة والعواصف في كل الفصول، إلا أن هذه التجربة سبق وانتشرت وتم القيام بالتغاضي عنها ثم أزيلت، كل هذا في غياب شبه كلي عن أبسط أمور التخطيط والتنظيم البلدي لكي لا نقول مدني كما عن غياب الذاكرة بكل معاني استخدامات فضائلها لدى الإنسان . ولو أردنا بخفر الاستئناس بمقطع من محاضرة للمهندس "ديران هارمنديان" بعنوان: "المحافظة على التراث في المدينة هندسيا وعمرانيا" ألقاها في حزيران 2001 لاخترنا: "المدينة في الأساس هي شبكة من العلاقات بين المكان والإنسان، تتمحور حول مجموعة من القيم المتشابكة والمترابطة تشكل البيئة الطبيعية والعمرانية والتقاليد والممارسات، التي تنسج عبر الزمن وأعطت للمكان ميزته وللمجتمع هويته، مما خلف الشعور بالانتماء. والإنسان ككل مخلوق حي يرعى غريزيا مكونات انتمائية ويحافظ عليها تلقائيا، وذلك في ظروف النمو الطبيعي المتوازن. وأن تطرح اليوم بغزارة إشكالية المحافظة على التراث، فمرد ذلك إلى تراخي الروابط بين الإنسان والمكان وتراجع مكونات الشعور بالانتماء في مجتمعنا، الانتماء إلى المكان، إلى الحي، إلى البلدة أو المدينة".





هذا الكلام الآتي من قبل "منظم مديني" هو جارح ويؤكد حقائق ليس اقلها هو السؤال الكبير الذي يطرح حول "المخطط التوجيهي العام" الذي سبق اقتراحه بعد دراسات علمية طويلة وما هي التعديلات التي أدخلت عليه؟ وماذا ستحدث ،هذه العبقرية الفريدة ، في العمارات وخاصة في منطقة الضم والفرز وفي كل من الأراضي التابعة لبلدية طرابلس أو الميناء؟، وهل سنشهد في السنوات المقبلة نشوء تشوهات بنيوية عمرانية؟!





ما يهم أو لما نهتم ؟ دعها تمر دعها تعمر! وكل شيء يسير في أعظم الصور وعلى أفضل المواقع من فوق الريح مرورا بالفواخير وخلفهم "حوش العبيد" والمقابر وخلفهما الحارة الجديدة والمساكن الشعبية ،حيث لا شيء يتحرك ، والى انعطافه بعد مستديرة في رغبة لترحيل الذاكرة فوق الخمسين سنة السابقة لتلمح في المكان "الكانباين" أو المجمع الرياضي للأخوة "الفرير" ،بلا فتح أبواب الريح لأن بسدها تستريح ، ونصل محطة بنزين وخيمة بوظة ومقهى .... ليظهر مبنى فرع الجامعة العربية قيد الإنشاء في خمس أبنية تتعامد بوجه الرياح على مساحة 18 ألف متر مربع وهو مبنى يأتي انجازه في ذكرى السنة الخمسين لتأسيس الجامعة في بيروت. وهذا ما يبدو انه يمثل مجمّع من خطة شاملة للتوسع في عدد من المناطق. صرح ضخم خمس مباني متشابهة متصلة بعضها ببعض عبر جسور معلقة وينفرد المبنى الأول بكونه يحتوي المدرجات ولهذا السبب فهو يؤلف ربع دائرة للمشاهد الآتي من المدينة باتجاه اوتوستراد بيروت. المهندس "يوسف سوبرة"، المشرف والمساهم في التصاميم من خلال مكتب المهندس د. سعيد الجزائري، يؤكد أن هذه المباني قد يصل استيعابها لثلاثة آلاف طالب لدراسة اختصاصات الهندسة وغيرها بما يقارب الخمس كليات.
ومن الناحية الجمالية استخدام الحجر الرملي كان لأنه سبق استخدامه في مجمع "الدبيه" واعتبر إعادة الأمر في مجمّع طرابلس- كورنيش الميناء هو لإعطاء وحدة هندسية لكافة فروع جامعة بيروت العربية.





مبان أخرى تأخذ الواجهة موقعا لها وهي تبتعد قليلا من موقع  جامعة جمال عبد الناصر، التي تسكن الكورنيش المسمى باسمه في واحدة من الإشارات محددة اتجاهات السير اليتيمة ، فحين الوصول إلى آخر رأس الصخر يتضح الشروع في الدخول في العمليات الأخيرة لإنشاء جامع كما لا يظهر في الأفق النهائي غير الحجم الضخم لكتلة الملعب الاولمبي الذي يستخدمه "الجيش" في وجهة استخدام صائبة توازي التخطيط الفاشل لضرورة إقامته أساسا في غياب وجود الشروط والحدود الدنيا المسبقة لاستخدامه في النشاطات الرياضية للمدينة أولا والجوار ثانيا وأخيرا للبلد ككل.
لعل الكثير من الثغرات تعتري هذا المشوار" بكيلومتراته " السبع. ولو أعدت القراءة لاكتشفت ما يجب أن يضاف وما لا أقوى على اختصاره. هي وجهة نظر، ومسار أقدام، وصور تتلاطم بين رغبة، غير موضوعية، لتصوير واجهة المدينة المنفتحة حتى ما بعد جزرها السبع.





أما غياب مباني الحرف وما نسيت منها  ومعامل البلاط ومراسي "الفلك" وحدود السفر اليومي في حب المشي، ولو بعيون "يحرحرها" الملح ومعاندة صفعات الهواء " الشرقي " فليس أعجب من تبدلات الخليج، فوق الريح، سوى كيف يتحول البحر  بلاطة زرقاء تسبّح الخالق في يوم خريفي بديع!

 بإمكانه، بذلك ،وبالرغم من ذلك ، إعطاء المبرر لتنكب عناء وجهة سير هذه الكلمات والسبب(..) وهل يقوى واحدنا عندما تعانقه الأسباب .