الأحد، أغسطس 10، 2014

موعد في محترف "محمد غالب"

موعد في محترف "محمد غالب"
"حبيب حداد" مع الكاريكاتور ..وذاكرة المكان..!




تتحوّل المناسبات ،تتبدل الظروف،مقاصد أصحاب الأفكار قد لا تتناسب مع المنطلقات ولا مع منعرجات الطريق ،ينال التوقيت بعضا من العتب،أو عليه تحمّل كل المثالب والأخطاء! وحدهم من يذهبوا إلى مصيرهم مدركين كل الإمكانات والأدوات واحتمالات الصواب والخطأ،ومختبرين وسائل النجاح،يوما بعد يوم وفعلا بعد فعل ،اختبارا اثر آخر .



هؤلاء حين تدعوهم الوظيفة ،التي افرغوا في سبل لقمتها الحلال جل العمر ومعظم الحيوية والقدرة على الابتكار والتجديد،حين تدعوهم رسالة عمرهم إلى الانكفاء ،فيما يعرف بالتقاعد، تراهم وكأنهم في أول الطريق.يخططون لمشاريع ويسكنهم هاجس الكثافة والاستفادة من الخبرة المتراكمة ،لا يكل بعضهم،تذهب للالتقاء بهم محرجا من قلة ما يمكنك إخبارهم عن نشاط تؤديه،غير أنهم يقدمون لك دروسا بالتخطيط لسنوات تأتي ولأعمال لا تفرغ منها أحلامهم.لست هنا متحدثا عن شأن نظري فكري بعيد المنال إنما عن خامة متجسدة من الرجال ،ربما لأنه فنان تشكيلي رسام حروفي يربكك بمنمنماته خطاط على الأصول نحات وغيرها مما قد يخطر عفو الذاكرة،ولست اعني مجموعة من الفنانين فالرجل أمامنا يحفر الورق ويرسم على النحاس ،وليسمح لنا ببعض الخربطة من يدقق،فالحفر عل الورق مقصود خاصة عندما يصبح نتاج الرسم من تحت "رصاص" قلمه وكأن في الأمر تدرجات تحاكي منحوتة!



هو الخبير المدرب والمجرب لتجاور الخط إلى الخط والعليم بالمحو وتركيب الظلال بالقلم كما بالفرشاة استلت لونا مائيا أو زيتي أو خلافه.عمن نتحدث؟ !

انه "محمد غالب" مرة ومرتين ومرات،تستدعيك الكتابة عن نتاجه الفني ،عن غرقه في اختراع البدايات،ربما لأنه قادر أن يقدم لك المفاجأة ،ولو بقي عند مفرداته يؤصلها ويطورها، وقد يكون معرض "حبيب حداد" الذي أقيم منذ مدة هو الذريعة لقراءة جديده كما لمتابعة اكتشاف الفنانين ،الغير راغبين في التقاعد ولا يرغبان به على كل حال،واحدهما للآخر.




كان الموعد أن يلتقي الاثنان ،حبيب عند محمد في محترفه،بعد افتتاح المعرض الذي سماه صاحبه "بلا عنوان"،حبيب وان كان من الميناء ويعرف أزقتها،احتاج لصديق يرافقه وهو يلتقي به بعد سنين طويلة،يتأخر من يتأخر ويصل الساكن بالفندق،يكتمل أو لا يكتمل الموعودون فاللقاء في نهاية المطاف بين تنويعات على لغة واحدة ،تقاسيم على أكثر من مقام، فتعامل محمد و حبيب هو بين الرسم و الرسم،بين من يقطف من اليومي ما هو يلخص الحالة السياسية أو الاجتماعية ومن يذهب الى مطارح الذاكرة والزخرفة واللون والشكل والأغنية ليصنع منها لوحة،منمنمة،فيتراي،باروليف،وخلافه.



المحترف يقع في الحارة التي يسعى فيها المهندس زياد ويعاونه المهندس ربيع إلى تجميلها معماريا بالمحافظة على جمالية لا تتعدى على أسلوب عيش،معماري،يؤكد على التلاصق عندما كانت البساتين والحدائق في كل مكان،وكان لكل بناء في كثير من الأحيان طربوش أحمر! في مواجهته طريق بدون منفذ،نسمع انه سيتصل بشارع بور سعيد منذ كنا نحبوا وها إننا نلامس الستين،فلو انفتحت الطرق وتحولت الحارات إلى احتمالات جميلة قد يكون يتجسد لنا شأنا آخر ولكن ما بالنا والجمل الاعتراضية تأتي بين لوحتين ! أو بين معرضين وعارضين..!




يستقبل محمد غالب ،الآتي من الصحافة اليومية،حبيب حداد هو الذي يخبر معترضا،صحيح أني ارسم الأحداث وقد استبقها بسخرية ولكن هذا لا يجعل مني "نكتجي" ويؤكد :" أنا لا أجيد تركيب ألنكته ولا قولها،رسم الكريكاتور غير الهضمنة والتهريج، آمر آخر أقول دائما انه فن نبيل يتطلب منك أن تكون صحافيا أولا تقرأ يوميا كلّ ما يصدر فيها من أخبار عن أحداث وبعدها تقرر ما سترسمه.قد تستجلب الرسومات الضحك ولكن في غالبيته يكون نتيجة كوميديا سوداء تعبر عن واقع اسود" .هكذا يبدأ التعارف،بحضور الزميل السابق في جريدة اللواء "سعدالله ديب" ،حين كنا نساهم في تحرير ملحق الفيحاء والشمال مع "طلال منجّد"، وتبدأ الجولة على محتويات المحترف العامر بالأعمال المعلقة على الجدران ومنها الأخرى المركونة هنا وهناك والمرتبة ضمن ملفات بأحجام مختلفة.




يفتح لك "محمد"ذراعيه كما يفتح جدرانه للنور الآتي من الخارج،يستأذنه الدخول عبر "بارافان" يشبه المشربيات،ربما ليلطّف حدة الشمس في أوقات الظهيرة،على طاولته لوحة يجسد فيها "مريم" أم عيسى المكرمة ،والتي شارك برسومات لها ،في معرض جامع كان احد الأديرة الكسروانيه مكانا له،والتي يقدم لها رؤيا خاصة مبتكرة تجمع بين مفردات أيقونية "أرثوذكسية" وحروفية تلامس الخط العربي محملا له آيات مختارة تطابق الموضوع.
بين موضوع جدي وآخر يحاول تناوله ،كمنحى مختلف وطريف وعميق وشبه شامل،ويريد أن يبقى بعيدا عن التناول الإعلامي قبل أن ينجز ويتحوّل معرضا "مفردا" منفردا بما يقدّم وربما يقصد الأسلوب والشخصية الخاصة به ومن خلال اللغة المختلفة التي يمارس،بين صور مريم والعصافير! يتسلى معنا بأن يطرح أمامنا إشكالية "التجهيز"الخاوية متحديا بذلك كل ما يجري الحديث حوله من فن"الميديا" و..و..غيرها من التسميات المستحدثة فيجعلنا نرى على لوح خشبي بقايا قشور الأقلام،نثارها، المتراكم لولبيات تحمل على أطرافها ألوان الأقلام المختلفة،تسحرنا الخلطة لبرهة، لكنه يصفعنا بقول بسيط :هل هذا فن ؟




لا يخفي "حبيب حداد" إعجابه بما يرى ،يتوقف ويتأمل،نتجاوز معا كل اشكاليات الخطوط الحديثة في ممارسة الفن الرخيص و"السريع الذوبان"ويحاول القول :كل الفنون فيها بعض من الضحالة والبساطة والتقنيات الصرف،اي ما هو معتمد على اكتشاف تقني شكلي،والقليل منها يأخذك في الطريق نحو التميّز والابتكار بالشكل كما في المضمون !




وجدت عندها أن مشاهدا مثلي ،كاتب هذه السطور ،يرغب في أخذ المبادرة ة التحدث عن معرض "حداد" ،القادم بعد سنوات طويلة من الاغتراب،وبرغبة من جمعية الفنانين اللبنانيين، وكأن في الموضوع تكريم لهذا الرسام للكاركتور،وان بدا ذلك منقوصا عبر سؤ تنسيق بين المعرض بيروت والآخر الذي نظم منقولا عنه في طرابلس الذي جاء على فارق زمني اضطر الفنان الذهاب والالتحاق بعمله ومن ثم العودة لكي لا يحس انه ،ربما،يفوت الفرصة التي لن تتكرر ليكون مع جمهور مسقط رأسه !ينظم معرضين بفترات متباعدة بدون الأخذ بعين الاعتبار المدة الزمنية التي تفصل بينهما ! أين سيقيم،كيف سيتدبر أمره هذا المهاجر الذي لا يملك بيتا خاصا به ؟ أمور بسيطة تأتي مفصلة من معرض في الصين لا يهتمون به لشخص الفنان بل لنتاجه ولحاجاته خلال فترة العرض.



عند "محمد غالب" كل هذه الأسئلة ،والمواجع، تسيل من الكلام،لكن أثرها يطير ويحلّق مع وصول الجولة في المحترف الى "مين دللك..." رف من العصافير يتوزع مربعات يشكل مزاج "محمد" الحالي.يقترب عبرها من المنمنمات،هو المعروف والقادر على الرسم بمنتهى الدقة في مساحات صغيرة ومع الخطوط المتقاربة والمتباعدة،سيان،فللحرفية المحترفة وقعها إذ تصفي اللمسات وتنزع أي إحساس بالتردد والانسيابية.الخطوط في هذه الصور واضحة تميل وتحدد الشكل وترفّ مع الأجنحة،كأنها في حالة طيران ساكن !،متقشف حينا ومقتنص للألوان بروح لا يبتعد عن خط عام يختار فيه للتزين سببا و روح.



يعاتبنا "حداد" حول ما قرأه حول الحالة التي كان فيها بعد نجاته من مجزرة "داريا".فهو وان كان من بين ركّاب البوسطة التي تم اغتيالهم في تلك الحادثة المشؤمة غير انه تركها على حاجز لقوى الأمن كان على مسافة دقائق مما سيجري!وكان معي آخر قررنا النزول وجرى بعدها ما جرى.كما انه قال لنا انه لم يعمل بأي مؤسسة طرابلسية ،في حينه،لأنه بعد أيام عاد إلى بيروت إلى جريدة "النداء"حيث أمضى أشهرا يناضل من خلال عمله إلى أن قرر الهجرة إلى باريس وترك لبنان بداية 1977.أولا عمل في "المستقبل"المجلة مع نبيل خوري رئيسا للتحرير،ومن التجربة خرج بكتاب ـ  1979،وبعد ذلك تنوعت أماكن عمله إلى أن انتقل ليبقى في صحيفة الحياة منذ 25 سنة.



الذكريات ليست موضوع معرض"بلا عنوان"من حبيب فما يجعله مكرما كرسام كاريكاتوري، مميزا واستثنائيا،بتجربته العريضة والكبيرة والتي قدمت يوميا منذ هاجر للإقامة في فرنسا المتابعة والأفكار الجديدة.وكيف انه بموضوعه،المجسّد في لوحة كاريكاتورية،بقي بمعظمه معلّقا فوق ارض الوطن والبلاد العربية وبكل أزماتها. ولعل أكثرها حدة وحضور القضية الفلسطينية وبعدها تأتي كل أزمات حرب العراق ولبنان والسبحة التي تطول.ولعل مساهمته بالصحافة الأجنبية وأبرزها ،كوريه انترناسيونال،هي قائمة ومستمرة لقدرته الحادة على التعبير عما يجري في بلادنا.ولعل صورة "المنتظر"وخلفه الخيمة،الشبيهة بخيم الهنود الحمر،السكان الأصليين لأميركا،وفي "عقاله" مشكوك "المفتاح"الشهير الذي اتى به النازحون من فلسطين،على أساس أن العودة بعد أيام!،وعنوان الصورة 65 عاما على النكبة،تمثل واحدة من الطرق التي يكثف بها مواضيعه ويجيد من خلالها التلخيص ببراعة لما قد يحتاج لمجلدات.



يبدو اللقاء عند "محمد غالب" يمثل مدخلا لانتظار معرض يأتي ،أو بالأصح معرضين،فإن كان حداد من الصعب أن يعاود الكرة ،فيأتي بغير ضمانات ،فان غالب،وبحكم العادة والإصرار، يأتي كل يوم إلى محترفه يمضي فيه ساعات طوال،تفوق ما كان يمضيه في التعليم الجامعي ،وفي جعبته مشروعين على الأقل.أحدهما في سياق متابعة التجربة الحروفية والثاني يستنطق فيه الغناء فيجعل الألحان منها لوحات وألوان وكلماتها تدندن معها العيون فترف ولا تنكسر !




على الطريق يأتي مصادفة صديق آخر ،يدخل يتذكره حبيب انه شقيق "اسكندر" ،يدخل من حيث كنا نقارب الوداع !لكنه عند "محمد" لا تستطيع أن تطيل الغياب ففي المحترف "قصص" تتجدد باستمرار.   


نشر في عدد تموز   2014  من مجلة " طرابلس  POST "

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق