حضرت خلال العقد
الأخير الأديبة التركية"اليف شفق"،من خلال تمايزها بروايات نوعية حققت
انتشارا كبيرا،ومنهم من يترجم اسمها إليف شافاك أو شافاق وهو أمر مربك بعض الشيء
وهو عائد للمترجم ودار النشر،المهم أن هذه الأديبة نالت وتنال شهرة عالمية لما
تطرحه من مواضيع ،وأبرزها موضوعة أثيرة لديها استعادت المأثور الصوفي أو بوضوح
أكبر استنادها على التراث الصوفي من خلال روايتين من أعمالها أولاها هي "الصوفي"التي
حصلت عليها جائزة "رومي"التركية،لا يخفى أن تعود هذه التسمية لجلال
الدين الرومي، والثانية "أربعون قاعدة للعشق" وهي آخر روايتها المثيرة
للضجيج الإعلامي الأدبي،والتي وصل توزيعها في تركيا ال55 ألف نسخة ووصل أعداد
طبعاتها المترجمة ،إلى كثير من اللغات، ما يفوق ال300 ألف نسخة،وهي معلومات
استقيتها من ستة أشهر تسبق نشر هذه المقالة ولم أجددها لأنها لا تدخل من ضمن هموم
هذه القراءة بالدرجة الأولى،لكنها قضية ،جانبية، تشير إلى أهمية الأرقام خارج
بلادنا حيث لا يمكننا أن نحصل عليها من أي دار نشر لأنها لا تفصح عن أي رقم،كما
وبالتأكيد لا تستطيع أخذ حقوق الترجمة والنشر على محمل الجدّ..! كيف لا وتكون
الرواية منشورة "مترجمة" من دارين للنشر في نفس البلد العربي!؟
لكن ليس لهذه
الأسباب نرغب في الحديث عن"شفق"ولا لكونها ،كذلك،أكاديمية بارعة
أيضا.أما لو شئنا أن تكون بداية الحديث عن خلفياتها وشيء من سيرتها لتعرفنا عليها
مولودة في "ستراسبورغ" فرنسا من أم تعمل في السلك الدبلوماسي وقد طلقت
بعد أول سنة زواج ،ولهذا السبب بدلت مسكنها بين البلدان التي عملت فيها الأم كما
يحصل لمعظم أبناء الدبلوماسيين،وهي الآن أستاذة جامعية واختصاصها علوم سياسية.فالأديبة
"شفق"لها أكثر من كتاب علمي قبل أن يكون لها روايات ،والتي تمثل بحد
ذاتها مداخلات أدبية ببعد عام !ربما
لتعاطيها الشأن السياسي الأكاديمي،كما لتفوقها في تضمين أعمالها طرح لقضايا كبرى،
بأسلوب روائي سلس ومركبّ معاصر في آن،تحمله أفكارا جريئة.
هذا التوجه برز
لنا بدون شك من خلال روايتها "لقيطة اسطنبول"،التي ستكون موضوعنا، والتي ستمثل بمضمونها وأحداثها وآراء
شخصياتها نوعا من التفاته أو التفافا على طرح قضية متفاعلة،عن مجازر الأرمن ،والتي
سيصل عمرها المديد قريبا المائة عام،حيث ما يهمنا أن الأديبة التركية تجرأت
وتناولت هذه القضية ذات الموضوع الحساس والقديم،وهو بالتأكيد دائم الحضور في الوعي
الجماعي الارمني والذي له علاقة وثيقة بفهم وتوصيف ومباشرة البحث عن حلول
والانتهاء من تداعيات،المجازر التي تعرض لها "الأرمن" سنة 1915 وذهب
ضحيتها ما يقارب المليون ومأتي ألف إنسان في ظروف مأساوية،وهي القضية المتروكة إلى
التقادم والسنين بدون حصول الاعتراف بها و أو بحدوث التسوية المفترض
حصولها،واجتراح الحلول التي تختم جراحها،من قبل تقارب الطرفين بحيث يتمكن أن
الجميع من طرح كل الأمور المتعلقة بمواضيعها والوصول لما يسمى "تنقية الذاكرة
الجمعية" من أدران الحدث والتاريخ.
غير انه بعد الانتهاء من قراءة رواية
"لقيطة اسطنبول" وما قامت به الكاتبة من إقدام، واقتضت متاعب قضائية
كادت أن تودي بالأديبة "شفق" إلى السجن!،ارتكزت مبادرتها القائمة على انتهاكها للأعراف التركية ،إضافة
لمعاكستها للقوانين التي تمنع الحديث بالموضوع ،بشكل مطلق ومعمم،واعتبارها
،نهائيا،من المحرمات.
الحكاية
ماذا تخبرنا
"لقيطة اسطنبول" وبأي أسلوب؟الحكاية ترتكز على مجموعة من الحلقات
باعتبارها تضم عدد من الشخصيات تربطهم علاقة اجتماعية،عائلي،عاطفية وغيرها من شؤون
التواصل الفكري.تتشكل هذه الحلقات من أربعة وحدات تكوّن مجتمعة سلسلة الرواية
المرتكزة على الأبرز من بينها وهي تمثّل عائلة "قازانجي" المتحدره من أب
حقق، عند انطلاقة الاتاتوركية في تحديث تركيا،ثروة ومكانة صناعية من خلال الطلب الكثيف
على الأعلام بعد أن كان حرفيا صغيرا وهو متزوج من ألامرأة التي ستبقى، وحيدة مع
بناتها، في البيت الكائن في واحد من أحياء اسطنبول العبقة بتقاليد فئة اجتماعية
تحمل في تناقضاتها وتنوع أفرادها كلّ مكونات المجتمع التركي الحديث.
الحلقة الثانية
متواجدة في أميركا حيث يعيش "مصطفى"،الذكر الوحيد الباقي من عائلة
قزانجي، هانئا وهاربا من قدره الذي يحوم فوق رأس كلّ ذكور العائلة التي عادة ما
تغادر الحياة باكرا وفي عزّ الشباب!وكيف انه قد تزوج من "أرمنية"لديها
ابنة من زواج أول هي "أرمانوش"التي ستكون لرحلتها إلى اسطنبول،بغية
التعرف إلى جذورها وبكونها ستصبح ضيفة عند عائلة "قازانجي" وصديقة حميمة
لابنة "زليخا"،فيؤدي ذلك إلى حدوث الوقائع الرئيسية التي ستختم التعرّف
على التاريخ كما في تبديل مسارات الرواية.
الحلقة الثالثة
مجموعة "كونديرا"،وهي اسم للحانة التي يرتادها عصبة المثقفين الأتراك
المؤلفة جمعهم من : كاتب السيناريو اللاوطني للأشرطة السينمائية المتشددة في
وطنيتها!، وهو التعريف الذي تعتمده الروائية في تعريف إحدى الشخصيات،وكذا،كاتب
العامود، الرسام المدمن على الكحول،زوجة الرسام ذات العينين المكتئبتين،هؤلاء هم
ابرز شخصيات هذه المجموعة ،ومن ضمن هذه الحلقة وفي عملية لتشبيك،مع حلقة أخرى،مع
العنصر البارز والحامل لعنوان الرواية تدخل المجموعة إحدى أفراد عائلة
"قزانجي"، وهي اللقيطة العصرية المتحررة "آسيا"،ونعرف من
بداية القصة أنها "لقيطة"من علاقة تبقى طي الكتمان إلى أن نصل الفصل
الأخير من الرواية،وتكون ابنة"زليخا" المشتغلة في عالم التبرّج بالوشم
والتثقيب وهي العاشقة لأرمني من سكان المدينة الأصيلين.هذا التشابك والتشويق ،مع
المساحات الكبيرة لسرد عادات ومنمنمات الحيات اليومية مع كل الأبعاد الاجتماعية
والثقافية المحيطة هو ما يجري على طول الأحداث،وكأن الخلفية البوليسية الخفية لمن
يحقق في ماضيه وما كانت عليه حياة عائلته ومن أين يأتي كلها حاضرة، وكأن علاقة
آسيا بهذه المجموعة تمثل العلاقة الموازية ل"ارمانوش" بمجموعتها السرية
المتشكلة على أثير المخاطبات الافتراضية.
هنا نجد انه يأتي
منطقيا الحديث ،وبختام الحلقات، عن الحلقة الرابعة والتي تتكوّن من نخبة ارمنية من
المشتغلين،عبر الانترنيت الشبكة الافتراضية ألعنكبوتيه الخ،ومن خلال تنظيم سري
افتراضي حريص على التخاطب فيما بين أعضاءه بأسماء "حركية"تخفي حقيقة
الشخصية وموقعها الاجتماعي ومستواها العلمي.غير أن طبيعة النقاش والمواضيع
المطروحة قد تبين تميّز هذا الفرد عن غيره ،بعمق ثقافته وعلمه وجرأته،كلّ ذلك يجري
من خلال التخاطب في أوقات متأخرة من اليوم وضمن ما يعرف "بالمجموعة
المغلقة" التي لا يستطيع احد اختراقها أو الحصول على عضويتها إلا بعد أن تعرّف
من قبل الأعضاء وموضوعات النقاشات هي دائما حول القضية "الارمنية" ،مع
بعض المنحى المتعصب، ويحصل أن تكون العلاقة بين عناصر المجموعة حادة حينا وخلافية
وكذلك يحصل أن يفرض احدهم أبوة فكرية ينتظر منه أن يقطع خلاف أو يصوب نقاش.
بعد الحلقات تأتي
الطبقات الزمنية،بما تعنيها الحقبات التاريخية والأحداث التي جرت خلالها،وما تقدمه
من خلفية مؤثرة تؤجج العواطف وتوجه الأحداث عن بعد ومن خلالها ندخل إشكالية
العلاقة التركية / الارمنية ما قبل وما بعد المجزرة وانسحابها على التواصل الفردي
بكل الاتجاهات.فتطرح بشكل فني روائي كيف انه يصار الى تصفية بعض المثقفين ،أي
العقول الارمنية، قبل أن تنفذ المجزرة،فتكون شخصية "اوهانيس الاسطنبولي"
الكاتب الذي يترك كخاتمة لحياته،لم يكن يخطط لها،ولأعماله الأدبية حكايات للأطفال
،بما يشبه أعمال الإخوة غريم،بصيغة كتاب لم يكتب مثله للأطفال باللغة الارمنية،ومعه
يقدم خلاصات من الموروث الشفهي وما كانت تحكيه الجدات،وكذلك والى جانب مخطوطته
للكتاب دبوس بشكل رمانة حباتها من ياقوت
احمر،تشكل كلها وصية يتركها على مكتبه قبل أن يساق معتقلا إلى مصيره المجهول.
تستخدم الروائية
أسماء خاصة جدا لفصول روايتها فتستلها من مواد الطعام ،وكأن الحكاية تطبخ من
مكونات متناقضة،فتستهل بالقرفة ويكون عنوانا للتحرك الشبه مرضي لواحدة من شخصياتها
تتنقل في السوق الذي تعبق فيه رائحة البهارات.ولنتابع هناك فصل
"حمّص"،سكر،فانيلا،فستق،قمح،حبات صنوبر،قشور برتقال،لوز،تين مجفف،حب
الرمان، ماء ورد،رز ابيض،وغيرها الكثير.ولو دخلنا إلى ما أرادت أن توصله لنا من
وراء هذا الأسلوب فبالعودة إلى فصل "حمص"حيث أن التعارف بين
"روز" و"مصطفى" يحصل في إحدى المخازن التموينية الكبرى أمام
رفوف المواد الغذائية وبشكل خاص بمواجهة علب "الحمّص"حيث يدخل مستقبل
ألحب بينهما في المذاق والذاكرة المشتركة.
قصص عائلة "قازانجي"ورجالها ،الذين
يموتون بالسكتة القلبية في عز شبابهم ،هي عماد رواية "لقيطة اسطنبول"
بعد أن نعرف أن العائلة الآن مؤلفة من أربع نساء ورجل،وبما يعنيه ذلك
للشرقيين،والرجل لم ينجب ولدا!بما يؤكد قرب اندثار العائلة وانقطاع نسلها ! غير أن
لكل من أفرادها حكايته المميزة ،وأبرزها،وان كان لكل منها فكرة بارزة،ما يجري للام
التي تعيش وحدتها وولوج نفق "الألزهايمر"في بداياته مع شوقها الكتوم
لغياب ابنها الوحيد الذي سافر للدراسة إلى أميركا فبقي فيها مهاجرا ولم تلتقيه سوى
مرة واحدة خلال عشرين سنة،وخارج البلاد في ألمانيا حيث وافته لعمل يقوم به،وهي
الآن تستقبله في بيته،بيت كل التاريخ،ولكن لأيام معدودة! وكأن كل ما هو منتظر
ومتوقع يقع ويؤكد حصوله بكل بساطة.يموت "مصطفى"حتى ولو أن الأمر يبدو
وكأنه نتيجة تلخص مجموعة من الجرائم الفردية والجماعية المتراكمة طبقات فوق بعضها
البعض .
ففي المشهد
الختامي يجول موكب الجنازة شوارع اسطنبول في السيارات،بمكوناته الأنثوية الباقية
على قيد الحياة،وتتضح من خلال منحى سريالي كل التناقضات،على وقع أصوات الطبول التي
يضربها مشجعين لمنتخب كرة القدم ،احتفالا بنتيجة مباراة،وتسرح سيارة دفن الموتى في
هذه الأجواء على أنغام النشيد الوطني المردد بأصوات مرتفعة، زاعقة، مع تكرار
الزحام والتوقف عند إشارات المرور وانسداد الطرق،في ما يشبه الحالة الخرافية بين
فرح هستيري من جهة وما يفترض انه حزن على الاندثار من جهة أخرى.
خاتمة على الهامش
هل من رد فعل حول
ما أتت به "أليف شافاك" الكاتبة التركية في روايتها "لقيطة
اسطنبول" فيما يخص المجازر المرتكبة بحق الأرمن في بدايات القرن العشرين ؟وهل
قرأت النخبة الارمنية-اللبنانية،وهي تجيد
العربية وبعضا منها يجيد التركية ،محادثة على الأقل،هذه الرواية أم أن الأمر لا هل
قرأت النخبة الارمنية-اللبنانية،وهي تجيد العربية أم أن الأرمن،في لبنان أو
اللبنانيين، لم يقراؤا "الرواية" ؟والمعروف أن كاتبتها كادت أن تسجن بسببها فقط
لأنها أوردت فيها مواقف وآراء ضمنتها الكثير من الاختلاف والتجرّؤ على نظرة مكرّسة
حول القضية الارمنية.








ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق