لفتتنا الحكاية التي
قام بسردها "إدوار وهبه" في روايته "العفريتة" لانتسابها إلى
ندرة من الروايات ومجموعات القصص في باب موضوعها "البيئي"،لعل آخر من
أجاد وبرع في هذا المضمار يوسف حبشي الأشقر بمجموعتيه "الأرض القديمة" و
"آخر القدماء"،وما قصدناه بالبيئي ،بمعناه الرعوي، الذي يحتفي بالتقاليد
والعادات،كما بالمجال الاجتماعي الطبيعي الريفي إلى حد وحياة الإنسان فيها وطبائعه
بفئاته الطبقية ورسوخ الإقطاع فيه وبالمكونات العضوية لحياته المحافظة ،إلى حد كبير،على
نقاوة علاقاته الإنسانية وبالتالي احتفائه كما احتفاله بالتضامن والتكافل والضيافة
وغيرها من القيم الأصيلة والنبيلة للناس في تعاملهم بعضهم مع بعض.
يقدم "إدوار
وهبه"في روايته الصادرة عن دار مكتبة نوفل سنة 1998 ،والتي انتبهنا لها مؤخرا،ومتأخرين،
بسبب اهتمام المجلس الثقافي للبنان الشمالي إطلاق مشروع كتاب يوثّق
للرواية والروائيين الشماليين،يقدّم "وهبة"في "العفريتة" من
جهة الشكل كتابة سردية لأحداث مقطّعة إلى مئة وستة مشاهد / فصول.تتنوع أحجام
الفصول من ناحية عدد الصفحات أو كمية الأسطر والفقرات،والتي تتضمن من بينها مشاهد
مكثفة للأحداث وأخرى وصفية مسترسلة،تتابع فيها الوقائع وتصوّر الأماكن حيث تتجسد
كما تجول الرواية وتجهد في تكوين تفاصيل الشخصيات وعلاقاتها،في ذروة توتراتها انعكاسا للمشاكل والمصائب تقع لها كما
في كل أحوالها الأخرى، ليصل فيما بعد بمحصلة، إلى اكتمال إحاطته بموضوعه فيعمد لذلك
إلى اختيار مسارات مختلفة تعيد تركيب أي حادثة أو "حدث"من مواقع ووجهات
نظر مختلفة.
"حادثة"سير
يحصل مع بطلة الرواية،هو محور القصة انزلاق للسيارة في وادي وركونها على شجرة في
هوة سحيقة بعيدة عن الطريق وسط الثلوج،هذا الحادث يقع بعد سهرة رأس السنة تتحطم
جراءه السيارة ويموت كلّ ألأصدقاء الذين ترافقهم "العفريتة"،وهو اسم
الدلع للبطلة، وتنجو هي وحدها.الباقي استعادة واستلحاق لكل تداعيات هذه الواقعة.
الكتابة المعتمدة
،في غالبها،كتابة مكثّفة لفصول تستند،وتشتغل ضمنا على أمر آخر،بالشكل أيضا وباللغة
خاصة،وهو الحرص الواضح ،عبر أداة "اللغة"ومن خلال أسلوب الوصف وبناء
النص وما يحتويه من محسنات،على التضمين للهدف التربوي ،الكامن ربما في أساس بنية
الكتابة،وبالتالي اقتراح كلّ المكتوب،واعتماده أو اقتراح استخدامه،كمرجع لطلاب أو
تلامذة المستوى التكميلي والثانوي باعتبار النتاج نموذجيا وكأنه يحمل هما تربويا
واضح المعالم.
ينسحب هذا
الحرص،ويسري من ضمن الهم التربوي العاقل،من خلال الإشارة إلى الجرأة في إيراد
الإيحاءات الجنسية وكل ما يدور حول موضوعة العلاقات الجنسية،طبيعية كانت بين رجل
وزوجته،أو ما يمكن أن توحي به علاقات خارج الزواج،بكلا الحالتين ظهر هذا
الموضوع،بمعظمه،مطروحا بلغة رمزية،تشير وتصوّر بوضوح،لكن بدون أن تدخل في تفاصيل
شرح وقائع الفعل كما أصبح منتشرا في الروايات الحديثة،في التأكيد على أمور رمزية
أو إحالات إلى صياغات لغوية تحمل هما جماليا.حضور الرمزية تطال مواضيع كثيرة في
الرواية خاصة بما يعني الانطباعات الجمالية المتأتية عن وصف المناظر
الطبيعية،الكثيرة الانتشار،بحيث يقترب الأسلوب من المدرسة
"البارناسية"،بما تعنيه من الانطباعات الجمالية والإصرار من خلال طريقة
نقلها.هذا واضح في وصف الطبيعة الشتوية،الجبال المكسوة بالثلج، خلال تنقل الراعي
وعلاقته بكلبه .القرية المنعزلة بين الهضاب والوديان وانقطاعها وبعدها عن الطريق
المعبدة بالزفت.هذه الرمزية تصل في مطارح إلى مقاربة عبارات وصياغات لغوية فيها
الكثير من الشعر.وربما اتى ذلك من الموضوع الذي يسمح بهذا التوجه كون الانعزال في
مكان قصي وبعيد عن المدن حيث ستعيش "مارينا"وهو اسم بطلتنا
"العفريتة"،الابنة المدللة لرجل أعمال ناجح وصاحب ثروة،لفترة من الزمن
يكون كافيا لتبديل حقيقي في نظرتها لما كانت تعيشه من تفلت في حياتها السابقة.
هذا لا يجعلنا
نغفل بداية عن الإشارة إلى ملاحظة أخرى تتعلق بشكل النص المعتمد على الكتابة
المفصّلة "مشهديا"والمقصود هنا المزاوجة بن الحدث المرتبط بزمن ومكان
محدد وكأن الكاتب هو بصدد كتابة "سيناريو"،وهنا نقصد المادة الأدبية
الخام السابقة على الكتابة التفصيلية للسينما او للتلفزيون،فكل ما يحتاجه أي
"محوّل" لهذه الكتابة الروائية إلى "نقلها" متوافر من الحالة
النفسية والحوارات وطبيعتها الخ كل شيء جاهز ضمنا ويتطلّب كاتب
"حوارات"في بعض المواقع فتصبح "العفريتة" فيلما أو مسلسلا
تلفزيونيا.
الحكاية
يتعمد "إدوار
وهبة" في بنائه للشخصيات ولتواصلها بعضها ببعض،من خلال الخطوط التي تجمع ما
بينها خلال العيش والمواقع الاجتماعية وفي الأماكن المختلفة،أول الأمر إلى التركيز
على " مارينا "المحامية التي سبق وقطعت شوطا طويلا في دراسة باهرة،لكن
حياتها الآن تنحوا نحو الخفة واللهو والسهر والرقص والتفلت في حياة مترفة
ومرفهة،وهي الابنة الوحيدة لرجل أعمال ثري جدا وصل إلى ما وصل إليه،بعد أن كان
رقيق الحال صاحب طموح "استحواذي" وانتهازي،بزواجه من ابنة احد كبار
القوم قدرا و ثروة!
الحادثة بحد
ذاتها،وبتداعياتها على "مارينا"،تضعنا أمام استعادة لمعنى الحياة ولطرح الأسئلة
الكبرى،يمكننا هنا إضافة الوجودية ولكن بحذر،وهي اسئلة مصيرية يطرحها من تعرض الى
صدمة كبرى تقوم من خلالها الشخصية المحورية بمحاكمة كل مسار حياتها السابقة وتفتش
في تقويم مصيها وتحاول التفتيش عما يجب أن تقوم به "العفريتة"التي
كانتها وكأن ما حصل لها هو ولادة ثانية.فتؤكد لمن أنقذها وأودعها كوخه المنعزل،غلى
حدّ،ولعائلته،وبعد أن تتعافى من جراح وكدمات الصدمة،أنها لا ترغب بالعودة إلى بيتها
العائلي.وتتمنى البقاء بينهم لتعيش حياتها وكأنها فرد من عائلتهم.أقله إلى مدة
تحتاجها لتتمالك مما ترغب وبالتالي وصل ما انقطع من يومياتها.
في المقلب الثاني
،حيث المدينة والماضي،تجري الأمور بعد اكتشاف هول المأساة،حيث يتم استقبال رفاق
السهرة ،الأخيرة،على إيقاع الحداد والجنازة والتعازي وما تقتضيه حالة المصاب
الأليم للأهل والأقارب والأصحاب بعد انتشال كلّ الجثامين ما عدا جثمان
"العفريتة"الذي خلق التساؤلات عند الجميع وعلى رأسهم المقدّم
"عارف"الذي قام بمسح المنطقة لكن بدون نتائج تذكر.حالت الأهل أخذت
بالتدهور،من الناحية النفسية،الأب "يوسف" والأم "جاكلين"تسربت
إليهما الكآبة لا بل أكثر من ذلك غرقا بمظاهر الانهيار العصبي الذي تلبست الأم
وبدا الأب أكثر تماسكا بعد حين.
في القرية
النائية"عيون الرعيان"،حيث انضمت مارينا الى عائلة الراعي
"عزام"فسكنت مع زوجته وولديه في هذه المساحة المنعزلة أكواخا متباعدة
وحيث الثلوج تغمر الفضاء..!تخترع لمضيفها مبررا لوجودها وتعاهده على أن تكون أمينة
على ضيافتهم لها.تسير الأمور لأشهر طويلة،على هذا المنوال المنعزل،إلى حين
زيارة"ألبيك"،الإقطاعي مكانة وقيمة وعلاقة بالقرية،الخواجا
"يونس"،كما تطلق عليه الرواية،ومعه زوجته وابنته يرافقهم
د."بلال"، الأستاذ الجامعي الذي كان يحاول أبدا التقرّب من مارينا
للزواج منها وبدون جدوى،فيفتضح أمر وجود العفريتة في هذه القرية النائية من قبل
بلال فتطوّر الأحداث سريعة خاتمة لمعضلة اختفاء جثمان بالنسبة للمقدم
"عارف" فيفترض أن "مارينا" مخطوفة للفدية !؟لكن التداعيات
والنهاية تثبت أمرا آخر.حيث يبرز عندها أن السياق المقترح أكثر تعقيدا وهو يتعلق
بخيارات حياتية جديدة قلبت حياة الشخصية الرئيسية رأسا على عقب.
يبيّن هذا السرد
العام تدخل الأخبار الصغيرة والمواقف للشخصيات وردود الأفعال التي يدخل من خلالها
الروائي العديد من الأمور المساعدة لإبراز أنماط من البشر:الوصولية تأتي مع
"يوسف" الأب الذي يتحدى واقعه الاجتماعي عبر تقربه من ابنة
المليونير.الانتهازية مع د."بلال"الذي يسعى لإضافة الألقاب على ألقابه
بالتقرّب من مارينا ولاحقا من ابنة ألبيك مع كل شخصيته المدعية للمعرفة والإصرار
عليها!والمتفاخر الذي يجسده يونس "ألبيك"الذي ينعم بعلاقاته وبتبعية
أبناء القرية الذين يرجعون له بكل شيء فيظهر بأنه متمم طلبات كل الرعيان الخاص
منها والعامة!
حكاية حب من
هنا.شوق مكتوم هناك.غيرة.طبيعة ساحرة.و غيرها الكثير.كلها تمثل عناوين إضافية قد
نطلقها أو نستلها من رواية "العفريتة"وهي تفضي إلى استعادة لتكوين
الرواية بكاملها لكن لو أخذنا نقرا فيما هو مثبت في صفحتين أخيرتين خاتمة
للرواية!لوجدنا من عناوين فصولها :المواجهة الصاعقة،في رحاب الضيافة،طائر في غير
سربه،رقصة الكهل،مارينا والقمر العاشق،سيمفونية الطبيعة،هاجس الحصول على
المال،البنت المدللة وغيرها الكثير لكن المثير والممتع انه مع استعادتنا لها نكتشف
أن قلم "إدوار وهبة"أخذنا بها ومعها ،وجبلنا بكلماتها،ليسكننا مطارح
البراءة والأسئلة الحلوة.






ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق