بدا لي أني لم أتجاوز السنة على هذا المنوال،
ولكن " المناتشة " وتقليب قصاصات ورق الجرائد، جعلتني انتبه إلى أنني
جاوزت السنتين بأيام قليلة وأنا اقتطع رسومات فنان الكاريكاتور، ابن مدينتي
الميناء، "حبيب حداد" الذي يعتبر مهاجراً، والبعض يقول لي
"هربان" إلى غير رجعة من الحالة التي لم يعد يطيقها في وطنه الأم- وطن
العنزة، إذ تجمع لدي ما يفوق أل"700" رسم كاريكاتوري منذ أن قررت أن اجمّع
مادة مرسومة لأستطيع الخروج "ببور تريه" عن "حبيب حداد".
أما لماذا هذا الاهتمام؟ ببساطة لكتابة بورتريه
عن واحد من أبناء هذه المدينة خرج منها، وممكن انه خرج عليها! تميز في حقل مهنته
التي يمثل جزءا لا يتجزأ منها، ممارسته الرسم الكاريكاتوري في صفحة الرأي، وبشكل
يومي، في صحيفة "الحياة" منذ استعادة إصدارها الجديد من لندن وبأكثر من
طبعة وصولا إلى مكاتبها الموزعة في أكثر من عاصمة ومدينة حول العالم الكبير
وعالمنا العربي الأكبر! وهي المعتبرة واحدة من ابرز صحف العالم العربي بكل أطرافه
ومكوناته.
ما يهم أن هذا الرسام العربي
"المجتهد" كما اعتبره، يملك لغة ممتازة ومشرقطة بمستوييها الشكلي أي
بمفردات رسومه من شخوص وأماكن إضافة للخواص المركِّز لمواضيعه وكيفية عكسها في تكثيف
أين منه الحليب المجفف أو أي من المواد التي
تجففنا في حياتنا المعاصرة.
إذا الأمر يتعدى "ابن المدينة"
والاعتبار العاطفي والمصلحي المحلي لملاحظة تجربة، أصبحت مديدة، لرسام فنان جاهد
وطور كل قدراته وبقي يملك حس المفاجأة والنكتة والتركيز واستخراج خلاصات من أحداث
ووقائع تدور في أكثر من مستوى ودائرة من أعلى القمة والمقامات السياسية وصولا إلى زوا
ريب حروب العيش اليومي ووسائله.
صحيح انه للحصول على بعض المعلومات الخاصة من أقارب
أو معارف كان بشق النفس، وهي على كل حال لا تقدم أي معلومة أو سيرة ذاتية، كانت
كمن يبحث عن كلمات متقاطعة باللغة "الصينية" وأنا بصريح العبارة لم اقرب
"الصينية" كما يفعل صديقنا "د. بلال" وهو يكاد يترجم منها الشعر!
إلا أن الحكايات تدور حول نجاته، أي "حبيب"، من مجزرة داريا لأنه أشقر
وعيونه "زرق" واسمه يخلق التباسا بين كونه "هيك أو هيك"،
فهمتم أليس كذلك؟ وبعد هذه الواقعة يقال انه أصيب بذهول وقرف ونزل إلى "تحت الأرض"
في مطابع "دار البلاد" حيث عمل فيها أشهر، تقل أو تكثر حسب ناقل
الخبرية، وبعدها في يوم يقرر أن يخرج إلى النور والذهاب إلى إي مكان إلى إي بلد
خارج هذه البلاد المجزرة!
قد تكون حكاية، نقول ذلك لأنه لم نتمكن عبر أكثر
من اتصال بجريدة "الحياة"، للحصول على العنوان الالكتروني.. خاصة بعد أن
عرفت أن "حبيب" يرسل مادته المرسومة عبر "الانترنت" يعني انه
داخل في مدار التخابر عبر الشبكة العنكبوتية، ولكن كل المحاولات باءت بالفراغ..
وهو فراغ يميز رسامي الكاريكاتور لا بل يشكل خبزهم اليومي فعبره يضعون لرسوماتهم الإطار
الضروري لإتمام الفكرة وتطويرها كما لوضعها في حجمها المناسب.
"العنزة"
قد تكون مقدمة طويلة نسبيا إلا انه من بين
الرسومات التي التقطها واحتفظت بها، قبل أن أصل للتجميع اليومي، ثمة واحدة وقّعها
فناننا في 24 شباط 1990 رسم فيها وبخط طويل أشكال الجمع اللبناني ومن أسلوب رسمهم
يبدون من أعمار ومطارح مختلفة رجالا ونساءً وأطفالا يديرون ظهورهم للمشاهد أي للبنان
ويحملون "شنط" خفيفة كأنهم بذلك يتركون كل شيء خلفهم و.. خلفهم تهرول
"العنزة" واقفة على قدمين وحاملة "صّرتها" التي كتب عليها
"حبيب" تعليقه على الوجه التالي: "هنيئا لمن له مرقد عنزة في
لبنان". وفي تفصيل صغير يرسم على جسم "العنزة" شرائط لاصقة من التي
تثبت ضمادات الجروح. وعند الأرجل يبدو الجميع على عجلة من أمرهم لا بل هم يركضون بأقصى
سرعتهم والبرهان أنهم يحدثون غيوما من الغبار المتطاير.
لغة صورة تختصر دهرا من الحروب الأهلية.
من المكان يأتي كما من الرسم، بمعناه العريض،
فهو سبق له أن عرض رسومه في مركز شبابي، وكل ذلك نستقيه من الذاكرة، قبل أكثر من
ثلاثين سنة، كما انه يأتي من ممارسة مهنية مديدة، وبرهانا على ذلك له في هذه
السنتين رسمين كاريكاتوريين يقتبسهما من صرخة "مونش" ليعبر عن هول واقعة
الأزمة المالية العالمية وهي عبارة عن وجه مذهول بدائرة كبيرة من الفم المحاط
باليدين والثانية تستفيد من "حذاء" "ماغريت" ليعبر عن ذكرى 40
سنة على هبوط أول إنسان على سطح القمر.
أولويات
وبالتفاصيل، حين ندخل إلى اهتمامات هذا الفنان إحصائيا
إي انعكاس مواضيعه على الكمية التي يتناولها به ومن خلال عينة السنتين، بالإمكان
تحديد الأولويات على الشكل التالي:
فلسطين الصراع العربي الإسرائيلي 169 رسم، شؤون
لبنان 146، أميركا 51، ما يجري في العراق 44، إيران 36، منظمات دولية مؤتمرات
الشمال والجنوب الخ 26، الأزمة المالية العالمية 21، حالة افريقية 18، إرهاب 16،
روسيا 8، أعياد 7، أمراض على شكل أوبئة 6.. وهذا ما يبقي من حصيلة السنتين لمواضيع
أخرى عديدة، لا تتكرر على هذا القدر، ومن عناوينها ما يجري في اليمن، السودان، أفغانستان،
وباكستان، صراع الحضارات، بيئة، دوليات، بترول، أنظمة عربية، حقوق إنسان وديمقراطية،
إلى جانب قضايا النووي في كوريا ونضال "الديلي لاما" في الصين إلى تحية
لغياب مشاهير في الأدب والفن واعتزال كاسترو واعتقال "كاراجيتش".
وان شئنا أن نعتبر رسم "بورتريه"
لـ"رادوفان كاراجيتش" هو مدخل لمفارقة حالته عند الاعتقال متخفيا خلف
ذقنه الطويلة فقد اختار "حداد" هذه الصورة ليرسم الوجه بكامل تفاصيله
الواقعية وليترك لمخيلته الكاريكاتورية أن يحول الذقن بشعرها الطويل إلى ركام من
الجماجم البشرية والهياكل العظمية التي يبدو رأس المقصود يثبت فوقها وعلى حساب آلام
أصحابها.
أهذا كاريكاتور؟ وكأن المطلوب من الرسم
الكاريكاتوري أن يبدو مضحكا في كل الأوقات من خلال رسمه وتعبيره عن موضوعه!
مع علمنا أن "الكاريكاتور" اتخذ أكثر
من شكل وعبر عن الكثير من الأمور وشارك في استعارة أكثر من قضية وانتصر مع أكثر من
ثورة ومثالنا على ذلك استخدام مارتن لوثر، الإصلاحي البروتستانتي على الكثلكة،
"للكاريكاتور" في مقاومته سلطة الكنيسة، وذلك عام 1525، إلى درجة أن احد
المقربين من البابا ليون العاشر يرجح نجاح حركته إلى هذا الفن الساخر. فلقد استخدم
"لوثر" في حملته: "شخصية القس العجل" الذي تعبر أذناه عن
الغباء ولسانه المتدلي على تفاهة ما يقول وزيه الديني الممزق عن تخبطه وتهافت
خطابه وتناقضه".*
هذا، لا ينفي عن الرسم الكاريكاتوري صفة السخرية
وانسنة المقدس وبالتالي تقريب صورته من اليومي والبديهي والسريع العطب ومن مقولات
احد الكتاب: "أي ديكتاتور يخشى الكاريكاتور السياسي أكثر من قنبلة
ذرية"؟
"حداد" قد لا يغيب بنتاجه عن هذه
المقولات وهو يتفاعل مع أمور العرب والعالم ووطنه. بهذا القدر والأهمية. فقضية فلسطين
وتداعياتها وتشعباتها حاضرة في المقام الأول ومن ابرز عناوينها خلال السنتين
الانقسام الداخلي: فتح/ حماس، واجتياح غزة. ومن أقوى الرسومات اثنان تعبران عن 42
سنة على احتلال القدس بصورة رجل عربي يشاهد القدس وهي تغرق في خطوط سوداء، وهي ممثلة
"بالمسجد الأقصى"، وتكاد تمحى الصورة كلها، والشاخص العربي واقف بذهول.
الصورة الثانية عن ذكرى 61 سنة للنكبة وهي تصور العربي الفلسطيني جالس القرفصاء
وعلى "عقاله" ثبت "المفتاح" الرمز الذي رافق كل من خرج من
فلسطين.
أما صراع حماس/ فتح فهو في أكثر من صورة أطرفها
عن جولات الحوار بينهما من خلال كرسيين موضوعين بالمقلوب على الطاولة وإحدى أرجل
واحدة من الكراسي تسلم على الأخرى وذلك إيحاء بانتظار جولة جديدة من الحوار. أما
عن الدولة الفلسطينية فـ"حداد" يصورها على شاكلة مخيم للهنود الحمر
مراقب من برج عال مثبت عليه اضاءات كاشفة ويرتفع فوقه علم إسرائيل وهو محمي من سور
محكم الإغلاق. دولة نموذجية. الكثير من صور الاقتلاع للفلسطيني والعديد من رسومات
"لنتانياهو" وهو ينتف ريش حمامة
السلام أو يخرجها من أذنيه وكأنه لا يريد سماع ذلك. المستوطنات على شكل قنبلة
يدوية. العائلة الفلسطينية تشاهد احتمالية الدولة في الأفق ولوحة التعريف عنها
مغروزة على ارض القمر! ورشة اعمار على قدم وساق والمشهد عاملان يحفران بملاصقة
شاهدين واحد حيث ترقد "حماس" والثاني حيث ترقد "فتح"!
رسومات اجتياح غزة مهملة وقاسية ومركزة وجارحة
تشير إلى الإعلام الطنان وحيث اليد قاصرة عن مد المساعدة. "جيمي كارتر"
في المنطقة بدون أي تعليق رئيس أميركا السابق، المعروف انه مزارع للفستق، يسوس
جاموستين للفلاحة وهو يلبس ثياب رعاة البقر الأميركيين. الجدار يحيط بكل المدن
والقرى وحمامة السلام تحضن بيضها فوق قنبلة الشرق الأوسط. عاشت فلسطين فوق الراية
التي يحملها الجميع تتحول إلى رمح يقتل من يحملها ومن يقابله. رمحان والراية
ذاتها!
من أبدع ما يرسمه "حداد" في هذا
المحور هو تصوير سجن إسرائيلي يتحول إلى "قطارة" تنقط عبرها يد السلطة
"الإسرائيلية" الخروج منه بمعدل يفوقه بكثير الداخلين أليه.
حرز جبنة!
من بين الشؤون اللبنانية يبدو تنوع الأشكال والأسلوب
بالتناول واضحا. كما انه ينشئ مسلسلا موحد الأدوات ومتعدد الأفكار ماذا نعني بذلك؟
تقاسم السلطة يتحول حرز جبنة مثلثا منخوراً ومن كل "حجر" تخرج يافطة
تحدد: "ملكية خاصة"! انعطافة جنبلاط مرسومة من قفاه ممسكا طبشورة يبدو
انه وضع "x" على يافطة 14 آذار وكتب على الجدار بعدها 13
آذار. هذه أمور مثل غيرها تبدو من اهتمامات "الكاريكاتوريست" اللبناني
الذي، ومع ذلك موضوعه الأول هو فلسطين والصراع العربي الإسرائيلي يعرف تفاصيل كل ما
يجري في بلده تطرق للكبير والصغير فيه وافرد ما يعادل 18 رسما عن حكاية الانتخابات
الرئاسية وقد ابتكر لها مفردة "الكرسي" وعلى هذا الرمز ترك الأشكال والأفكار
تتناسل، خاصة وان عملية البحث والتجاذب حول انتخاب رئيس للجمهورية اخذ وقتا طويلا يكاد
يكون غير مسبوق! فها هي الكرسي وحولها حقل من البيض المكسر كرؤوس لم تصل أو كجموع
يرمونها به، الكرسي تلعب بيدها "طرة نقشة" لمن سيجلس؟ كرسي تحول إلى
مقعد تليفريك وجهته القمة العربية، غاب نهار آخر من الأيام المدعو فيها البرلمان
للانتخاب والكرسي تغور في البحر تكاد تغرق، الكرسي في "منفضة" سجائر،
الكرسي مركونة في قبو وباب القبو تغطيه شبكة العنكبوت إي لا احد يهتم بتجهيز
المقعد لمنتخب يبدو انه بعيد المنال، الكرسي ينتظرها "بابا نويل" وهو
يجلس أمام المدفأة، كرسي يتحول إلى طائر فينيق يطير بأسلوب أسطوري، كرسي احتضن عود
يغني: "أيظن أني لعبة في يديه"، كرسي طالت أرجله الأربعة وهو في محيط
عاتي الأمواج تدور حوله اسماك القرش، كرسي اتخذ شكل منصة صاروخ مجهز للإطلاق، كرسي
بدون "طراحة"، مقعد، كرسي مسند بدون أرجل على أحجار خفان، كرسي تحول إلى
مرجوحة.. كرسي يفكر.. وهي في كل أوضاعها أو أدوارها كانت ترمز إلى الكرسي الأولى
في لبنان على أساس انه رسم على ظهرها صورة الارزة. إلى جانب هذه الصور
"اللبنانية" تبرز صورة المواطن اللبناني المكبل يوم عيد الاستقلال
بسلاسل من حديد تقول كلمة الاستقلال يسبقها "عاش". وعن الحوار الوطني
اللبناني سلسلة من الرسومات أكثرها واقعية الطاولة الدائرية التي تنغلق على كراسي
وضعت ظهر كل واحدة بمعاكسة ظهر الأخرى. وقبل الانتقال إلى محور آخر يرسم
"حبيب" الإرهاب الذي يضرب مدينته، طرابلس، على شاكلة إنسان بدائي يطل،
من خلف جدار، على المدينة وهو يمسك بهراوة فيها قنبلة!
عن "أميركا"، وهي أكثر الدول العالمية
حراكا وتحريكا لسياسة الدنيا، يبرز فيها موضوع الانتخابات وظهور أوباما على ساحتها
الذي لخصه رسم يبدو فيه اوباما يلبس "الأميركي" أجنحة الملائكة بعد أن
يكون قد نزع عنه ثياب "الشيطان" ووضعه على "مشجب" ليبقى
جاهزاً للاستخدام وهو رسم نقل عن جريدة "الحياة" في مجلة "لوكورييه
انترناسونال" على ما اعتقد.*
ومن جهة أخرى يرسم "حداد" سديم ليلي
تخرج إليه الأنجم وكأنها صادرة عن علم أميركا المفروش باتجاه "هلال"
يتوجه عبره وفوق خطوطه أوباما وهذا ما يشير إلى التصالح الذي يقوم به اوباما
الفاتح ذراعيه برغبة جامحة، كسياسة مناقضة، لما سبق بوجه العالم الإسلامي!
العلاقات الأميركية الإسرائيلية أطرف ما يمثلها تشابك علمي الدولتين اللذين
يتشابهان بخطوط العرض مع العدد المختلف والاتجاهات المتعاكسة.
"نتانياهو" الذي يسلم على "اوباما" على قفاه حمامة سلام
"ممعوسة"! يخرج جورج بوش من كتاب التاريخ على "فلوكة" تسبح به
على بحر من الدماء أو البترول. "الحمار" شعار الحزب الديمقراطي يشرح
"لاوباما" على اللوح، وكان الأمر يدور في مدرسة،و أن كل الدروب توصل إلى
حب إسرائيل. تحت عنوان "تداعيات عراقية" اقترح محورا آخر البارز فيه كل
ما هو متفجر وملتبس في هذه البلاد المتحولة وصورة "المالكي" منتصرا في
الانتخابات عارضا عضلاته على صورة صندوق اقتراع رافعا يده وأحد أصابعه مسودا
بالحبر هو عنوان لمرحلة فيها الكثير من التفجيرات وحصاد الحدود الواعدة بالموت والأمور
الأخرى.
صورة "العراقي" يمسح حذاء جورج بوش
وحذاء آخر يأتيه نحو الرأس هي مفارقة واقعية أيضا. الاتفاقية الأمنية المشتركة ملف
أو كتاب يغطي أنابيب النفط في منطقة ما قبل "السكر" المتحكم بضخ البترول
نحو التصدير.احتفالا بالوصول إلى مليون شهيد عراقي منذ بداية الغزو الأميركي
للعراق "بوش" والى جانبه "تشيني" على شرفة قصر يمسك
بالبندقية، بشكل مشابه لما كان يقوم به صدام، ويطلق رصاصة في الهواء!
إيران لها اهتمام كبير من خلال الملف النووي
والتخصيب وانتخاباتها وفي رسم يختصر هذه الديمقراطية يصور "حداد" تحالف
خمانئي- نجاد يقود بلدوزرا كبيراً وضخما خلف سيارة صغيرة جدا يقودها التيار الإصلاحي
وهي، على هذه الصورة، لا بد ستسوى بالأرض.
الإرهاب!
الإرهاب، مثل على حدا، أكثر من مداخلة وصورة وعن
ضربات اسبانيا يصور مصارع الثيران يواجه فريسته المتحولة على شاكلة ثور بجسم
قنبلة.
ويمثله أيضا بصورة المواطن، العربي! أمام نشرة أخبار
خرج من التلفزيون على إثرها عدد كبير من الجثث وأصبحت تشاركه الغرفة التي يجلس
فيها. الإرهاب والأدمغة المزنرة بالمتفجرات. إنسان تحول إلى دمية تتحكم بها الخيوط
العديدة. مناطق متفجرة في القرن الأفريقي الصومالي، السودان، انقلاب موريتانيا
العسكري وقراصنة جدد. الأزمة المالية العالمية ومؤشراتها وانعكاسها الكارثي على
الاقتصاد العالمي كانت حاضرة في نتاج "حبيب" ومن ابرز تجلياتها رسم لكل
مؤشرات البورصة الآخذة في الانخفاض المتواصل وعلى يمين الصورة يخرج "كارل
ماركس" من القمقم على شاكلة خروج مارد الفانوس السحري ليقول: "بيلزم
خدمة"؟
طبعا ثمة الكثير مما يقال ولكن ثمة موضوع مشابه للازمة
الاقتصادية يتصل "بالبترول" كمادة إستراتيجية للاقتصاد العالمي وأهميته لأميركا،
حيث نرى هبوط برميل النفط كهبوط قمر صناعي أو ارتفاع أسعاره كصاروخ، وكيف أن
الرسام يصوره كمصدر يغذي الرجل المستلقي كرمز أميركي بالثياب المكونة لعلم بلاده
وقبعتها المميزة.
عن "روسيا" يحضّر "حداد"
قاعدة لنصب التمثال الذي يبدو أن الزعيم بوتين قد جانب سلمه الخشبي عليه بهدف
الصعود والركون فوقه.
عن الصحافة وحريتها عدد من الصور التي تدور حول
قمعها واغتيالها لعل أبرزها الرقيب العسكري الرابض خلف كتف الصحافي الممسك بقلمه
المرسوم على شاكلة عامود لإشارات المرور الثلاثة اخضر، اصفر واحمر في إشارة لكون
ما يكتبه الصحفي يمثل ما يتوجب مروره أو عدم مروره من أمور على الناس والمواطنين.
قضية اليمن السعيد تبدو كديكور مسرحي يخفي خلفه أهوال
تقف في جبال وعرة والحرائق تشعلها الخناجر المعقوفة . كما أن الخنجر في صورة ثانية
يتحول حده إلى طريق إجباري لقوافل المهجَّرين من مناطق النزاع.
الأوبئة حاضرة أيضا، والمقصود أنفلونزا الطيور
والخنازير وجنون البقر، ولعل واحدة من أطراف وأقسى الرسومات تمثل بقرة تفتح فمها
لتبلع إنسان يحاول الركض والنفاذ وهي أيضا تجري في إثرها دجاجة لالتهامها وخلف
الجميع خنزير على نفس المنوال يحضر حاله للبلع !
صورة مفردة عن خروج "فيدل كاسترو" من
السلطة. نرى فيها "كوبا" جزيرة صغيرة بعلمها الشيوعي و"راوول"
جالس ينظر إلى الأفق عبر المحيطات من كل جانب وتبدو قنينة ملقاة في المياه، تتهادى
وتبتعد، ويجلس في داخلها "فيديل" الثورة والتاريخ!
يبقى الإشارة إلى كاريكاتور التحية لغياب كبار
من أمثال مايكل جاكسون الذي يخرجه راقصا على سكك النوطات الموسيقية آخذا معه
"نوطة" واحدة تتركه في الذاكرة ربما، الطيب صالح يختصر ريشته المغروسة
في ارض إفريقيا لينبت منها نخلة وارفة، محمود درويش الشاعر الكبير تظلل ريشته
الوطن العربي من المحيط إلى الخليج، وقد انكسرت، ويظهر من حطامها قلب يقطر دمعة!
في نهاية الخارجين من الحياة صورة للمخرج السينمائي يوسف شاهين ملتفتا إلى خلف وكاميراته
على هيئة سلاح يقصد من ذلك كيف انه زاوج بين السينما والدفاع عن القضايا. وداعا
يوسف شاهين. بهذه الكلمات يستودع السينمائي الكبير في رحلة خروجه من المعارك التي
خاضها.
والمعارك تعيدني، بعد هذه الرحلة الطويلة مع
"حبيب حداد" الذي يزاول مهمة التعليق بالكاريكاتور منذ ما يقارب الأربعين
سنة ويزيد، إلى معركة البارد الذي صور انتصار الجيش اللبناني فيه بأسلوب أسطوري إذ
اعتبره كالا رزة الحاملة للسلاح المحرر للمخيم الذي تعرض لمصادرة الإرهاب.
جولة لم نقارب فيها التحليل بالعمق وتجاوزنا
فيها عناوين كثيرة، صحيح، إنما مسيرة عمل يومي طويل ، لم نتعرض للظاهر منها إلا النزر اليسير، تستأهل أللفتة
المؤدية لاحقا للإعجاب والمساءلة والتقدير وأمور أخرى قد تصبح لدى البعض متناقضة
وكاريكاتورية مثيرة للجدل والدهشة على "حد" ريشة "حبيب حداد".
الميناء -- جان رطل
نشرة هذه المقالة في جريدة " حرمون "
في طرابلس عدد 384 الأربعاء 30
ايلول2009
*من دراسة منشورة في عدد 136 شؤون عربية لد. عمار علي حسن
* "لوكوريه انترناسيونال " عدد 971 حزيران بين 11_ 17 .

















ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق