" الأستاذ "
كوستي بندلي
يترك أستاذ
"كوستي"بيته،مكتبته،بالتالي العائلة الصغيرة ومريديه بأجيالهم،هذا غير
أمور كثيرة زرعها وابتكر من خلالها خطابه العلمي وترك لها الكتب في شؤون الفكر
الفلسفي وعلم النفس ولاهوت التحرر مع حرصه على النضال اللا عنفي،ومنه تعرّفنا على
اسماء ووجوه "ديزموند توتو" ،"كمارا" ،"غاندي"
وآخرين كما لطالما واكبنا "شكوك" لانحيازه للاشتراكية الطوباوية الإنسانية.
"كوستي بندلي" بوجوه اهتماماته
المتعددة بدا وكأنه يجسد صورة "المثقف العضوي"،بما يعني انه يفكر بما
يعمل أو بما ينجز ويحمّل انجازه خلفية فكرية لاهوتية "شفافة" لا تلهج
بلسانين.يربي ويبشر بالشركة والمشاركة فيقدم كتبه ،للشؤون الاجتماعية دعما
لحاجاتها المادية،ويرفض تحويلها مطبوعة من دار نشر تجارية،مع انه كان يحدثها
بهوامش وفصول،لتبقى في نهاية المطاف تنتج عبر "الستينسل"فتبقى رادفا ماليا
لنشاطات اجتماعية تديرها حركة الشبيبة الأرثوذكسية.وهو أيضا إذ اشتد الحصار على
طرابلس من خلال حرمانها من الكهرباء ،و ارتئي في حينه1976 السعي لمد خط كابلات
كهربائية يصل المدينة بالمصفاة، تراه لا يتأخر بالنزول إلى ورشة التحضير "الحفر"التي
ستستقبل الأعمدة التي ستحمل الخطوط.هي حكاية من حكايات الحرب .
وهو أيضا وايضا ممن شجع وساهم في ورشة تحديث
المسرح في بيت الحركة ولا زالت صورته حاملا تنكة "الباطون"، لتتم
"الصبة" وليستحدث كواليس وغرفة وخلافه،ومن هذا المشهد لا زلت اذكر مع من
يذكر "تهليلة"مدام "رمزة"،التي امتثلت لرغبات الأستاذ بعد
اعتراض واستهجان "نو نو نو كوستي". كان أستاذ "كوستي" يأتيك
باللا بأسلوب قول النعم ! تسلس له الأفكار قيادها ،يحولها إلى مهام محددة مبسطة،
مقدور عليها وان بدا الاستهوال ،ورفض الحرس القديم لأي اقتراح جديد،فهو دائم الاستكشاف
لمسارات الأفق المفتوح المحقق لنضال قد يخسر كلّ أشرعته.
مترهب في صومعته،مكتبته ومكتبه،لطالما استقبل
فيها شبابا ومن أصبح منهم زملاء على مدا أجيال وأجيال من بدايات تأسيسه لفرع
الميناء في حركة الشبيبة والذي استبقه في دخول مبكر للحياة العملية مدرسا،ليحمل
بهمة مسؤولية عائلة،تركها راعيها"الأب" في ريعان الشباب.لكن
"كتبه" مع لقاءاته ودراسته الأكاديمية المتقطعة ،وصولا
"للدكتوراه" في عمر كان قد لامس فيه سن التقاعد !،هي باختصار شأنه السري
الذي عمّر من خلاله "ناطحات سحاب"...ساجل وسجل عبرها الفتوحات
"الجنس ومعناه الإنساني"ربما ألأكثرها "صيتا" جميلا ساهم في
ريادته نشر هذا الكتاب إرساء معرفة علمية عالمة لشأن كانت،ولا تزال،تدور حوله الأساطير.."إله
الإلحاد المعاصر" ناقش المركسية والوجودية في عقر "أفكارها".إلى
غيرها من الكتب المفاصل "عن اللا عنف"وسلاسله التي كتبها في تبسيط
"الليتورجيا" والأخرى التي أجاب فيها على "تساؤلات
الشباب"مشاركا من خلالها كل ما يمر به الجيل الشاب من هواجس وتاركا لهم طريقا لمساهماتهم في أن ترى
لها مكانا في متن الكتابة.
رفض تكريمه بوسام الشرف التربوي،قاطعا
ومتمثلا التواضع أسلوب حياة،وله في ذلك فلسفة ورغبة ربما أن يتحول التكريم إلى تبن
حقيقي لنشر النتاج والأعمال التي كانت تنتظر في أدراجه الوقت الطويل والممل لمن
كان نتاجه،غزير ونوعي ويحرص فيه عبر الطبعات المتواترة والمتجددة أن يرفدها دائما
بالإضافات والتحديثات المتواصلة،وتعدى النشر في نطاق "إنطاكيا" فقد سحرت
كتبه الكنيسة القبطية ولطالما استعادت طباعتها عبر منشورات مدارس الأحد.
يكثر الكلام عن " أستاذ " كوستي
،ربما له أكثر من ذكرى في خاطري،ولكنني لن أنسى انه إضافة لكونه "مرشدا"
في الحركة فقد كان لي الحظ في أن يدرّس لي في صفّ "الفلسفة" مادة
"علم النفس" وهو العالم في هذا المجال،أكثر منه أستاذ ملقّن ،وقد كانت
ساعاته كافية لتحملك مادتها على صعوبة مصطلحاتها باللغة الفرنسية فتتمثلها وكأنك
تشربها مرّة والى الأبد !،كان أستاذا عظيما مستعد في كل الأحوال أن يبتكر كل الأساليب
ليقدمها لتلاميذه على أطباق من المعرفة الممتعة والواسعة الثقافة.ولم يقتصر حضوره
في التعليم داخل الصف لأنه اهتم كذلك بتقديم المشورة في المكتبة لمن يرغب في تحصيل
ثقافة عامة يأخذها من عيون الكتّاب وأدسم الكتب.لطالما رفع "نظارتاه"
الطبية ليقرأ "الفيش" حيث يلخصّ مضمون الكتب والمعلومات المتعلقة بها.كان
العلم من عنده كالغارف من جرار النبيذ المعتّق ينهل منه رشفة فرشفة ولا من يشبع !
عاش بيننا،كما انسحب،بسيرة عطرة وانهماك
"بشؤون الأرض"،ربما لوضوح خياراته ما يشوبها من "رسولية" و
طهرانية غير مرغوب فيها،لكن أحدا لا يجرؤ على حرمانه لقب "الأستاذ" الذي
يشرّفه ويجعل لمن ينطق به التعامل مع ترددات الصدى بشكل يفهم منه المعنى ،فيتكاثف
المعنى،وكأن حياة "كوستي بندلي" كانت برمتها بحثا عن هذا المعنى !


ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق