الأربعاء، ديسمبر 04، 2013

" زياد الرحباني " في جامعة البلمند

"زياد الرحباني" يحلّق في البلمند
بطيران فوق "الأغنية" المستمرة



استرجع برنامج أمسية "زياد الرحباني" ،التي أحياها في جامعة البلمند على مسرح "الزاخم"،ذاكرة عريضة من تاريخه الموسيقي الغنائي ابتداء من مسرحيته "نزل السرور" ووصولا إلى البوم "معلومات أكيدة" للطيفة وما تخللها،ومر بينها، من اختيارات تمت بالاستناد إلى أعمال للأخوين رحباني تعود لحقبات قديمة بطابعها"الرومانسي".



لم يكن سهلا الحصول على مكان للجلوس،غير المقاعد التي امتلأت قبل ربع ساعة من موعد بدء الحفل المقرر،حيث غصت الممرات الوسطى والجانبية بحيث لم يعد ثمة مكان لأي كان مما استدعى إضافة مئات المقاعد الإضافية في رواق الاستقبال للمسرح حيث وضعت شاشة ومكبرات صوت نقلت ما يجري في الداخل .



هذا "الحشر" الغير مسبوق طبع حفل "الرحباني " وفرقته الموسيقية مع الذين غنوا ومضاف اليهم من تدخلوا عبر قراءة نصوص "لزياد" كتبها على مر المناسبات وسبق له نشر ،بعضها أو كلها في جريدة "الاخبار"،وهي الآن تحولت الى فقرات شبه تمثيلية. أبرز من جسّد هذه الفقرات "ندى أبو فرحات" التي أعطت للنص الذاتي "مواليد ال56" طعما فريدا حمّلته كلّ أثقال،ونزق، من يؤكد على تهربه من إحياء "عيد ميلاده"وكل التناقضات التي يحمله إياها توقيته وتزامنه أو تحضيره لعيد الميلاد ورأس السنة. "رضوان حمزة" يأتي مع صوته ودربته المتقنة،بالتأخير والتقديم وإحساسه بالإيقاع،لتحضر معه أسطورة العادات اللبنانية بعشوائيتها وأبرزها "الإلفة" التي يذهب في سرد مواقع مكامنها بإعادة رسم جداريه العادات المستحيلة وذلك بالأسلوب المسبوك على المفارقة ودهشة المفاجأة .الللا مبالاة تأتي بها "لينا خوري" المخرجة المسرحية التي تبدو وكأنها "تنسكب" بأجواء سوريالية "زياد" في عكسه للواقع ! إطلالة "غازاروس الطونيان" هي الأخرى ترجع لحضور هذا الممثل المنشد الطريف والمحبب ،وربما للأكثر من ذلك لعادة رحبانية مزمنة يحافظ عبرها على أصدقاء له إلى جانبه في العروض !



لو شئنا التحدث عن بعض مضامين المشاهد الإضافية،ربما نصل إلى ما يبدو منها الأكثر انتماء إلى طرف سياسي،حيث تظهر سخريته من الحرية في السعودية واعتباره "المستقبل" غيمة زرقاء في سماء بيضاء ستعيد حين ذهابها للسماء لونها الأزرق،وأغربها و"أعوصها" على الفهم، إستجراره العروض ل "الدولة" السورية للتدخل في من لم يصبح دولة،أي لبنان،لتحسين واقعه.في هذه تبدو بعض نصوص الرحباني تأتي من زمن آخر فيصعب على من يتابعها استيعاب ما يقوله.هذا الأمر ينسحب على بعض من يقرأ له،فقد ظهروا غير مستوعبين لما يكتبه،على اعتبار أن أسلوبه في الكتابة الكوميدية الساخرة دقيق جدا مسبوكة فيه عباراته وجمله المقطعة بميزان "جوهرجي" موسيقي.

بخلاف "بعض"المشاهد الوقفات ،والتي مثلت فواصل بين الأغنيات والمقطوعات الموسيقية،كان برنامج الحفل يسري بشكل جارف للمشاعر والذكريات بمظلة موسيقية متماسكة تم لها اختيار مجموعة من آلات النفخ ساكسوفون ،ترومبيت،كلارينيت،ناي،والى جانبها آلات الإيقاع دربكّة،مزهر،و"باتري" يجاورها إلى الأمام كمان و بزق وعل جانبهم الآخر غيتارين مع "كي بورد" والى جانبهم جلس"زياد الرحباني" وحوله البيانو وآلته الأخرى ،التي نسميها تجاوزا "البيانو الكهربائي" ،يضاف على هذه التشكيلة من الآلات الموسقية مجموعة من الصبايا و الشباب الذين قاموا بمهمة أساسية، في إحياء كل الأغنيات، تمثلت بالغناء الكورالي وخلق الأجواء عبر التصفيق والتمايل وغيرها وصولا إلى الإيحاء بالدبكة والرقص بالمطلق.

بداية كلمة ،مقتضبة، عما يجري في طرابلس من زياد :"منا بعاد كثير عن طرابلس..،ها الشي اللي عم يحصل منتمنى يخلص..،بس نحنا عنا حفلة الليلة"والى الافتتاح"على مهلك..الليلة السهر.. والصبح بعيد" أغنية من "ريبرتوار الاخوين رحباني"،الاختيار الذي سيتجدد،ولكن مع لمسة توزيع جديدة حافظ على رومنسيتها وان كان بعيدا عن "نقزة"الحنين ."رفيقي صبحي الجيز" دويتو تدخل بعدها أغنية "نزل السرور" دويتو هي ألأخرى تلتها موسيقى وكورال"اسعد الله مسائكم" مع تفريد للعزف من قبل البزق ،نقرا وسحرا،وبعده الارتجال على البيانو بسلاسة ونزق وخيال أنامل المؤلف الذي يشاء ان يدعك تحس انه يؤلفها الآن مباشرة!

"خليك بالبيك" ربما كانت الأغنية التي استدعت "فيروز"،بطيفها الذي جدده وأخذه صاحب الأمسية إلى مساحات مسكتشفة، إلى عمق الحضور ،وربما تم له ذلك من خلال صاحبة الصوت المختار على أساس قربه من خامة السيدة فيروز وهي  " منال سمعان " مع تمتعها ،الإضافي، بروح الشباب والحضور المحبب،ولو"أنه" لم يستطيع أن يدع مناسبة،سنحت، تمر دون أن يلفت الانتباه إلى أنها "حمصية" انتبهوا "هيدي بتخطف !" . وهذا صحيح لأنها "خطفت" انتباه ،كثر،ممن لاحظوا صوتها وحضورها،وربما لمن لا يعرفها من متتبعي حفلات الرحباني أينما أقيمت،وهي من كانت تشارك "روزين الجميّل"،التي تميزت بصوتها القوي والصافي لكنها تبدو وكأنها ترتبك بخفر فتهرب منها "خاتمات" الحروف أو هكذا كنا نسمع،هذا الدويتو النسائي مثّل معظم الحضور النسائي الغنائي في الأمسية .

    "أشتقتللك" ! بضربتها الخاتمة لموسيقاها ،ولتحويلها المسرح إلى مرقص عام،ختمت الفصل الأول ؟ أو هكذا بدا لنا الأمر حيث لا ختام ولا بدايات! كل الأمور مستمرة.



موسيقى "لولا فسحة الأمل"  بداية ثانية،"صباح و مسا" ولما كلّ هذا الأسى؟.."شي ما بينتسى"، "وهديتني وردة.." الهبت حيث ان ما تقوله أغنية "بكتب اسمك " التي قدمتها "الجميل" وشاركت بها الجمهور ،المصرّ على الغناء، حيث الفرح يعم بالعدوى.بعدها عند"تلفن عياش" ،كادت الصالة أن تتحول الى كورال !لولى صعوبة الموقف موسيقيا،أما عند "ضحية الحركة الثورية.."فالأمور لم تمر بدون هيصة وتكاثر "الرديدة"،وهنا المقصود المشاركة بأغنية "يا نور عنيّا" من "نزل السرور" والذي قام بغنائها عازف البزق .

فاصل موسيقي من أجواء "الدبكة الكردية"،ربما لضبط الموقف أو للذهاب به إلى أقصى الغرابة.نأتي بعدها الى أجواء "القراديات"، المستلة من آخر ما أنتجه "زياد" بالشراكة مع "جوزيف صقر" غناء وهي كانت فواصل بين أغنيات ألبوم "بما إنو.."، التي أخذت الكلّ إلى حفلة زجل مع سعي واضح إلى التطوير الموسيقي المرافق. وختامها "رنان" من "عودك رنان".



أمسية لاهبة ساحرة ،كثيرة الصفات،نادرة بجمهورها الشاب الجامعي.وهي لا تكرس "زياد الرحباني" كموسيقي "حقبة" يجول على الأماكن ،هو المكرّس بدون "جميلة"،غير انه وصل إلى اعتماد صيغة "الجولة" كما تجري الأمور في بلاد الناس عادتا،مقدما نتاجه الذي يحرص به ،على المسرح أن يكون بدون نقصان فلا يتأخر بطلب تدخل مهندس الصوت ليصحح عطل فني ،طفيف وربما لم ينتبه له احد غيره،لمصلحة الكمال،مع كل هذه الاحترافية المتألقة والتاريخ الطويل والمليء بالانجازات،يبقى السؤال لماذا يطول الانتظار في سبيل سماع الجديد؟ربما لأن التحليق فوق هذا الكم الهائل من الأغنية المستمرة يحتاج إلى طائر من نوع نادر.  

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق