الأحد، أغسطس 11، 2013

إبراهيم الهندي


ابراهيم الهندي

 

لا شك في أن الذاكرة تخون والنسيان كمثل الشبح الملعون يزورك حين لا ترضى له الزيارة ويهرب من بين أصابعك .. حين تعتقد انه ككمشة مياه تنهال على وجه أيامك!عندها تمرّ الصور "كنقزة" بمفعول ،ما ينتج،عن فرق الحرارة!

لا شك أن الذاكرة تخنون وتركّب أحداثها بدون استئذان وعلى غير هديها الطبيعي المتسلسل.

لم يترك لنا "إبراهيم"ترف الذكرى من مسافة ،عن بعد أو على "فضاوة" وعلى مهل،فقد ذهب بها إلى أقصاها،حين كان بيننا،مستنفدا حبنا له،شهرا بعد شهر،سهرة بعد سهرة!وكأن اللقاء يكفي أن يكون قليلا ليكون كثيرا وطويلا..

الأناقة،تقتضي الواقعية والعفوية،أن لا نذكره إلا مع الأناقة وانتخاب الذوق،والمذاق،والاكتفاء من الحياة بجمالها.

جلساتنا ،في غالبها،كانت حول الكلمة الحلوة،منتخبات من الشعر،كان يفاجئنا بالتنقيب عنه من بين ما خبأه شعراء من المدينة كالشهّال ،البارودي،درويش،وآخرين كثر غيرهم .اجترح لنا من عندياته لعبة استفز بها ذاكرة العارف والهاوي طالب خلالها بمعرفة من قال هذا البيت أو تلك القصيدة وشجّع الحضور بالحصول على جائزة!ولطالما حدثنا عن الموسيقى ،متابعا مخزونها الأصيل، التي غناها كبار الأصوات وكان يعتبر مرجعا لذاكرة عريضة،يجيد الغناء والإلقاء ويضفي على حضوره القا وشفافية،وله كتاب عن أغنيات "عبدالحيم حافظ"في أفلامه السينمائية كما كان عنده مشاريع مشابهة لم ترى النور.خزانه يفيض بالحكايات عن القصائد والألحان الحافظة لتراث مقطّر.كما اللحظات المخترعة على نشوى السماع والمذاق حول طاولة تتشكل على "صحونها" أنواع الأطعمة بأسلوب فنان خبر كيمياء شهوة الأكل بالمنظر!
 

حضور الوجع في الأشهر القليلة الماضية أخذته إلى رغبة في الاستكانة لشرنقته الصغيرة .هل كان يتابع تلميع القيا التي كان يفرح بها،خاصة عندما يعرف تاريخها وعصرها،وهل كان يمرر فرحه لآخرين؟ لكنه تقصد الغياب على مهل .
 

انسحب ليتحول شوقنا له مرضا،سيسكن مزمنا فينا،سيؤرقنا على أغنية ،لن نعرف حكاياتها، على مغامرة حياة جمعت اللطف إلى حب الجمعة واللمة والمسامرة،مع صراحة واعتداد العارف،سيسكن معنا "إبراهيم"مع كلّ نغمة ساحرة وكل جملة موسيقية تجرح الروح.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق