معرض الحرف والحروفية دير مار بطرس وبولس - العذرا
تجاور تجارب مديدة ، أساليب وتقنيات ومسارات تتباعد لتلتقي
هي اختمار خبرة طويلة أن يستقبل دير مار بطرس وبولس – العذرا ، فتوح كسروان ، معرضا فنيا في
طبعته السنوية الثامنة عشرة والذي يقيمه في قاعة الاباتي يوحنا تابت . الجديد هذه السنة تخصيص المعرض للحرف والحروفية ، بما يعني لوحة الخط كما للوحة الحروفية على السواء مضاف إليها بعض الحضور للسجاد والفيتراي ، والذي جمع تسع فنانين شاغلهم هذا الهم بأسلوب بدا فريدا ومتميزا ومبدعا كل في حقله ومن وجهة نظره .إلى جانبهم حضرت ،بجلالها وتاريخيتا ، مخطوطتين
على جمالية وكمال أناقتها وإحالتها لزمانها الأول لناسخ وخطاط مجهول أنجزها 1866 مترجمة عن أصلها اليوناني لكتاب الناموس الشريف ، وهي من مجموعة المخطوطات البطريركية الإنطاكية الاورثوذكسية ،وموضوعها قوانين المجامع المقدسة أما الثانية فهي لوحات من كتاب الإنجيل من مركز كرسي حلب للموارنة أنجزه سنة 1673 رزق مرقس أيام البطريرك اسطفان الدوهي ويعرف بإنجيل طاميش وهو بالسريانية بمجمله تمتزج العربية به أحيانا.
وان كانت لهاتين المجموعتين حكايتهما الخاصة ،بمضمونهما ومصدرهما ، مما يتطلب من حضورهما في المعرض غائية تتحدد بكثير من الأمور ،التي قد تصل إلى خلفيات عقائدية شائكة وشاسعة العلائقيات ، لكن ما يعنينا هنا هو التعرف على الاهتمام القديم والنوعي والمتواصل للمجموعات المسيحية الإنطاكية بالخط العربي بكافة تجلياته .
أما عن اللوحات الحروفية أو الخطية ،للفارق والتفريق الضروري بين الكلمتين المصطلح ، فالحديث الذي فرده أمامنا الفنانون العارضون يدخلنا في محاولة لرده إلى مناح مختلفة وبالتأكيد عائدة إلى منطلقات متباينة تزخر بالأسئلة الجمالية واقتراحاتها المبتكرة كما المفاجئة . وبالإمكان إدراج هذه المدارس أو بكلام ابسط هذه التوجهات إلى المنحى الذي استقدم الخط وفجره ،طبعا من ضمن تيار جارف تجلى في الكثير من نتاج التشكيليين العرب من العراق إلى المغرب أيام الستينات وما تلاها ،
والمعبر الرئيس عن هذا المنحى في المعرض وجيه نحلة الذي ، على ضخامة واتساع تجربته غير انه لا يأتي بجديد ضمن هذا الإطار للمعرض الحالي إذ يكتفي بتقديم ما سبق له تقديمه من سنوات ، وهو بذلك يؤكد على حضور هذا المسار الذي قطعته اللوحة الحروفية التي لم تهتم بمدارس الخط أو بنسبه من الريشة المستخدمة إلى الطول والعرض وتوازنات الرسم إلا ما يقربها من روحية الحداثة التشكيلية وانغراسها في أبجدية النتاج بصورته التامة وكان الحرف أو الكلمة أصبحت ذريعة لما هو اكبر أو اشمل منها في مسار ابداعي مختلف .
تأتي مشاركة علي عاصي على النقيض الأقصى حيث نحن أمام "خطاط " بكل المقاييس التقليدية الصارمة قي استيعابها "للمدرسية" والأصول بهضمها لها وان بدا أن ثمة محاولة للخروج المحدود ،ومن ضمن المفردات والنسب وانسيابية المدات والتشكيل رصفا أو تراكما أو تلاعبا لاختراع توازنا صارما كما في حرفي الباء والسين في لوحة " بسم الله الرحمن الرحيم " بحرف ألنسخي المحدث ! تجربة "عاصي" مديدة ولا تختصرها مشاركة محدودة في معرض جماعي إنما وجودها يعيدنا إلى ما يمكن وصفه بالمرجعية المعرفية للقواعد .
نلتفت خلال التجوال بين أروقة الدير وزوايا القاعة الكبرى فنعاين ، في تجاور لافت ،أعمالا لكل من الأب عبدو بدوي تتحاور بالتشكيل الذي تؤسسه بين رموز الأرض والوطن والإيمان وبين الحروفية أو الكلمات السريانية الاسرارية ،أو ما يقصد به من الكلام المستخدم في الخدم ألصلاتيه أو ما يقاربها ، وتتميز لذلك لوحته بألوانها المأخوذة بقعا متجاورة مع ميل دائم إلى استخدام الحار منها والقريب من الصفاء ، بما يعني الكثيف وقليل الاندماج بغيره من الألوان بهدف اختراع حالة له تحوله إلى لون ملتبس مكسور أو خائر الزهو والتألق .
إلى جانب هذه الأعمال تتواجد لوحات ،شبه إعلانية ، لأعمال الأب جان جبور الذي ظهر مغردا بين
الحروفية و" الفيتراي " أو بما يمكن توصيفه بالنوافذ المرصعة ببعض الكلمات أو الأحرف السريانية "الكرشوني " . وهي بالعموم تظهر مؤسلبة للمدارس المارونية التقليدية بما يضفي عليها حداثة ونورانية أو اشراقة ألوان تضفي مسحة من الفرح والإشباع للعين.
نعود إلى اللوحة الخطية العربية ، بمضمونها الديني الخاص المستقاة من آيات القرآن أو من النصوص الأدبية الشعرية وبعض المخزون الصوفي ، فتبهرنا التجربة التزينية الحرفية العالية الإتقان لليلى الهبر صقر التي سكبت كل عملها في قالب السجاد المزدوج الوجه مكونة منه لوحاتها ، وبأحجام متفاوتة بمقاساتها ،من نصوص متعددة المصادر مستغلة لأجل ذلك كل مفردات التنويع اللوني المتداخل الأسطر حيث الكلمات تتداخل بعضها إلى جانب بعض طبقات تستحضر الخط الكوفي الهندسي الكثير التوازي والتوازن في آن معا .هنا ندخل عالم اللوحة التي تحترم الشروط التقليدية ويقتصر الابتكار على اختيار التجاور والتناسق كما التنافر بين الألوان . مع رياض عويضة نقترب من نوع آخر من التعاطي بحرفة متعلقة بالحرف ، ومعه المقصود هو حرفة الطباعة ، ومن خلال تمرير " الرول " لأكثر من مرة وبأكثر من لون واحد فوق الآخر بما قد يعطي انطباع انه يستخدم تقنية "السلك" ، قماشه الحرير المفرغة والمستخدمة للون يطبع على الورق أو أي خامة أخرى ،فتكون النتيجة في قسم كبير من أعماله ، عالية الزخرفة تحول اللوحة كسجادة تذخر باللالوان وتكاد الكلمات والجمل تغيب في هذا الاحتفال اللوني المذكر بالانطباعية وبالتنقيط مع الإحساس أن لا ذاكرة مدرسية لما يتوجه به لنا كل نتاجه من الحروفيات .
عند عدنان خوجة التجربة تتبدل من قديمه القريب من اللوحة التحريضية ، بمفهوم الشعارات والاستنهاض لدعم القضايا الفكرية ، مرورا بما يشبه المنمنمات المستوحاة من ما قالته الحروفية المفجرة للمقايس ، وصولا إلى إحساس يقرب تناوله من أسلوب الخط للغات الشرق الأقصى !
ومع إيراده للوحات النثار الخشبي من ضمن تجاربه الحروفية ،كاستذكار أو اقتباس من المسمارية كما علّق احد المتخابثين ،فإنها تبقى مقبولة كتشكيل مبتكر اختزالي في الإطار والمسار التجريبي الأكثر تفلتا وخلقا للمفاجأة.
نصل إلى أعمال محمد غالب وسامي مكارم المتقابلة بالمصادفة في وسط القاعة وهي الأكثر انطلاقا على السواء فمن التقليد والأصول وتحولا إلى لوحات نستطيع نعتها بشكلها بدون معاني الكلمات ومع معانيها أيضا تحضر شروط اللوحة الحديثة .وبالتشديد في اغلب الحالات إلى ما يرمز له الشكل المختار للكلام ومعانيها يمكننا مشاهدة راقص درويش في حالة الانخطاف "الصوفي" .ولو أخذنا "ياهو" كلوحة مثلا من "غالب" فنلاحظ كيف انه استعاد تقليد المقابلة والتعاكس فتحول الخط المكتوب من اليمين إلى اليسار منقلبا حول خط الوسط من اللوحة وهو بذلك يستأنف تقليد الخطاطين لكنه يحرك النسب فيسحب الألف كمئذنة تناطحا بها السماء ويكمل الصورة بزخرفة منمنمة مشغولة بشق الروح
وطول الأناة .ومع لوحة أخرى هي " المسيح قام حقا قام " يحدد من تجاور ثلاثة مجموعات من حرفي القاف والألف شكل الصواري كمكون لفلك يشرع احتمال اقتناص بحارة ورحلة صيد ، وكأنه بالرمزية يذكر بعلاقة المسيح بالبحارة والبحر حيث انه بهم اقتنص المعمورة أو بمن يؤمن به فانه يسير على صفحة المياه!، ويذهب "غالب" في لوحاته الخطية في مسار يرصع اللوحة والكلمات بالذهب والألوان ويحضر المشهد بكل ما تعنيه الكلمة في وجوهها .
سامي مكارم يسير على نفس التوجه وان كانت خياراته أكثر تقشفا من ناحية استضافة لوحته لعناصر اقل بما يعني أنها لوحة أكثر اختزالا .فالألف عنده جمهرة تتكرر لنفس الحرف مع تبدل الخلفية اللونية المقترحة، على ما تعنيه هذه الألوان ، مع انه مهما بدل في تعديل أسنة الألف فهو في نهاية المطاف يبحث عن امتشاقها للعلاقة بين التحت والفوق بين الأرض والسماء في انسكاب وانخطاف صوفي حاضر ومؤكد عليه ومشتهى . هذه الحركة ينقلها إلى تكوين الكلمة فيجعل من بطن الأحرف أو أوعيتها
التواءه الأجساد في حركتها في صلاتها أو في غدوها وإيابها .
ليس من اليسير إيفاء كل المشاركين في هذا المعرض حقهم بشكل منفرد فالمعرض جماعي وممكن أن لهذه الصفة ، الذي سعى إليها المنظمون ، ولمكان الاستقبال لهذه التظاهرة أكثر من معنى وأعمق من اثر لعل في تجاور الخطوط والأساليب والألوان وعرض الريشة ودقتها ما يضعنا أمام جماليات التنوع الذي يمتع من خلال المعرفة والاكتشاف .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق