كان لا بد
كان لا بد من ملاحظة شخصية جدا ، لها علاقة بوتيرة قراءة هذه الوثيقة والفترة الزمنية التي استهلكتها لإتمامها والتي تجاوزت الأربعة أشهر ، وربما يعود ذلك لأمرين الأول هو "حماوتها" ، الشبه يومية بالنسبة لما يأتي به الموضوع ، من وجهة نظري والثاني لعدم تخصصي الدقيق والمهني الأكاديمي بما له علاقة بأمور الدراسات المشابهة .وما يستتبع بالتالي من الحدب والانتباه والحرص على منهاج العمل تحقيقا وتوثيقا وربما إضافة الكثير من التفاصيل على متن القراءة التي سعيت جاهدا لانجازها .
وقد يكون من المطلوب ،لمن سيهتم أكثر وبشكل علمي ،أن يعمل مباشرة بالشروع في السعي لوضع شروح للمواثيق والمعاهدات الدولية من جهة ووضع مقدمات لها ما يعني الخلفية التي حصلت خلالها والرجال الذين ساهموا في صناعة أحداثها وطباعهم وضمن أي خارطة لموازين القوى الدولية السياسية والاجتماعية وكافة الموجبات المتعددة التي اقتضت إبرامها فأوجبتها .
هذه نقيصة ، ربما تقتضي حماسة مؤرّخ لسد فجواتها ، وتفترض وجوب الدخول في شؤون أكثر دقة من
النواحي المهنية الأكاديمية.
لكن هذا لا يعفيني " شخصيا " من إظهار أن الحماس الذي تملكني ، كما التردد الواضح الذي أوقف وكبح مسار عملي المحدود أمام وثيقة تعود إلى ما يربو على المائة سنة خلت ونشرت في صحيفة ، كما كانت تدعى أيامها ،/ وهي مجلة " الحوادث " الآن ،(( وهي الصادرة في طرابلس ابتداء من 7 كانون أول 1911 كجريدة مرتين في الأسبوع ومؤسسها – صاحبها ومديرها المسؤول " لطف الله خلاط " رئيس تحريرها عبد الله كساب ، وابتداء من العدد173 الشماس حنانيا كساب ، من الممكن أن يكون هو نفس الشخص قبل أن يدخل الكهنوت ، إلى 1918 حيث أصبح سابا زريق رئيسا للتحرير ولمدة 15 سنة متواصلة ))*1 .
إلا أن القضية برمتها ، بكونها امتيازات أو وطن قيد الحلم أو مواطنة من توصيف سريالي طائفي وتخويف للأقليات وما يقابلها من نفخ في " عظامية " الاكثريات وما يروى في هذا المجال من تحويل للمسيحيين كبش فداء أو أي شيء آخر ، ممكن ، إضافته إلى هذه السلسلة ، كانت القضايا معي تتداخل لتأخذني في رحلة حول بعض الأمور الموثّقة بمعاهدات والتي عرّفتني على " تعهدات " تاريخية كانت ، بقياس ، منظمة للعلاقات بين المسلمين ، ولو أضيف " العرب " بخجل وتواضع في مواضع محدودة ، وبين الآخرين ، كل الآخرين ، وصولا إلى اليهود !
وكما كان ، وذاكرة المشافهة والانتقاء ، هناك دائما في التاريخ ،فرق وشيع وأقليات مسلمة ترى رأيا آخر عماده البطش والتنكيل والقمع و.. و..، ولنا من طرابلس – الميناء سنوات " إمارة التوحيد " الماثلة في الذاكرة الطرية خير دليل إلى جانب الخبريات المتناقضة لأفعال ممن اعتنقوا " النظافة في العقيدة " والتي خزنت ممارساتهم ضد كل من خالفهم ولم يوافقهم المعتقد والرأي . فالتهديد والابتزاز من كل الأنواع والأشكال ، إلى درجة استنباط شخصيات مسيحية مثلت ادوار الكومبارس الرديء وقد استفادت من خلالها التهويل على أصحاب عقارات ومشاريع متنوعة فتشاركوا معهم في إنشاء مرفأ "سمي مرفأ التوحيد" ، وهي أمور كثيرة ومتعددة لم يجروء على الدخول في توثيقها ولا مساءلتها بعقلانية احد ، على حد علمي ، غير" احمد أبي سمرا " ، ويعترض على أسلوبه كثيرون لكن الاعتراض لا يكفي ، وقد يتوجب على كل من يستطيع كتابة تفاصيلها ويقدر على تحليلها القيام بذلك .
ربما ما يدفعني إلى مواصلة استدعاء " ملف صحافي " عمره مئة سنة هو الحرص على تحصين صورة " الإسلام "
والمسلمين من ممارسات مشابهة فيما سيأتي ، وهي مهمة يجب أن يقوم بها آخرين أيضا، لكنني بما اعرفه وما أعيشه في مدينتي أردت أن ابحث عن " نقطة " تذهب إلى عكس ما يرغب به من يثير عواصف الإرهاب المتجلببة بجلباب " النفاق " تحت أي راية كانت من رايات أديان التوحيد.
امتيازات الجماعات المسيحية
الوثيقة التاريخية :
" امتيازات الجماعات المسيحية في المملكة العثمانية "، للصحافي الكبير ستافروس فوتيراس معربة عن اليونانية
بقلم حضرة الأستاذ العالم غطاس أفندي قندلفت مدير المدرسة الاكليركية في البلمند / نشرت أولا تباعا في جريدة الحوادث سنة 1912 . وطبعت مجموعة على شكل كراس بالمطبعة الوطنية في طرابلس شام.
وقد جاءت هذه الوثيقة من 54 صفحة بمعدّل 20 سطر للصفحة بما فيها العناوين الفرعية ونهايات المقاطع .سبقها
تمهيد جاء فيه معلومة تفصيلية عن الكاتب " فوتيراس " على انه صاحب و رئيس تحرير جريدة " النيو لوغوس "،
( بما تعني الكلمة الجديدة )، التي تصدر في الاسيتانة منذ ستة وأربعين سنة . أما هدف الكتابة والنشر فهو مواكبة إعلان الدستور وما كتب في بعض الجرائد من كونه لا محل فيه للامتيازات المذهبية الممنوحة قديما للجماعات المسيحية في المملكة العثمانية .
وتلا ذلك تنبيه لجميع النواب المسيحيين إلى أهمية هذه المسألة ، مكتوبة المسئلة ،وما يتولد عن إلغاء هذه الامتيازات من الأضرار والاضطرابات .
وكان الهدف التأكيد على أن الانقلاب السياسي ، " الدستور " ، الجديد لا يستدعي إلغاء الامتيازات وحرية الأديان
والمساواة الحقيقية بين الشعوب المسلمة وغير المسلمة ، ووفاقهم على ذلك نواب حزب الائتلاف ، وجاء فيما يلي هذا التناول للامتيازات استعادت الكاتب لكل المراحل التاريخية التي خرج عنها عقود ومواثيق حول هذه القضية .
أصل هذه الامتيازات :
يعتبر الكاتب الصحافي " فوتيراس " أن الامتيازات هي حقوق مدنية نشأت في البلاد التي تختلف دياناتها الرسمية عن مذهب الشعوب التي خضعت واستعبدت ، وهي والحال هكذا ، اعتراف المملكة بالحقوق الإنسانية للشعوب الخاضعة والمتمذهبة بدين غير الدين الرسمي . بدون هذا الاعتراف تنتحر هذه الشعوب أدبيا . وتنتحل على الرغم منها الدين الرسمي .
ويذهب إلى أن الكتابة الآن لتحديد علاقة المملكة الإسلامية برعاياها المسيحيين . وهي علاقة مناقضة للنظام الدستوري فانه إذ تحدد في " القانون الأساسي " أن الصبغة الرسمية والجوهرية هي إسلامية . إلا أن الفرمانات السابقة في زمن الاستبداد تعترف بالحقوق البشرية والملية للشعوب المسيحية .
وأيد مسعى صاحب " الدعوة " في ذكائه العظيم جاعلا ديانته ديانة فتوحات موطدا صبغتها بشرائع نظمت العلاقات مع الممالك المغتصبة ، بالفتوحات ، واعترف لها بالحقوق البشرية والمالية .
وينتقل إلى إيراد عهدة الخليفة " عمر " للبطريرك "صوفرونيوس " الأورشليمي 637 ب.م. والتي من ضمنها شروط
أحكام الذمة ، ( الحمد على الإسلام ... ونصرنا على الأعداء .... عليهم الأمان ) ، ومنها حق استيفاء درهم وثلث من الفضة للبطريرك عن كل زائر لبيت المقدس (..) من كنائس والأديار الخ..
فيما يتعلّق بعهدة عمر ابن الخطاب إلى صفرونيوس بطريرك القدس فهي تشمل أحكام تحتفظ لأهل الذمة الأمان
والصون وتؤسس " للبطريرك " مرجعيته أمام كل أنواع الفرق المسيحية وله أن يجبي من السواح والزوار درهم ونصف عن كلّ مؤمن .
وجريا على هذه المبادئ أعطي " البطريرك " ميثاقا اعترف به الرؤساء الروحيين للطوائف المسيحية الأخرى وهم يمثلون مللهم وجميع حقوقها في الحرية المذهبية الأدبية والمدنية الممنوحة لها .
وتم توقيع هذه " العهدة " في 20 ربيع الأول سنة 15 للهجرة . ويشير إلى أنها محفوظة " مخطوط " بأحرف كوفية في دير الروم في القدس الشريف ، راجع كتاب الارشيمندريت بنيامين ايوانيديس طبعة 1877 صفحة 140 ومنها نسخة في مكتب باش وكالة قلم الديوان الهمايوني – الأستانة من زمن السلطان سليم سنة 1517 ، النسخة مشرّفة بالطغرة السلطانية . لم ينكر " المحقق " انه كان بعض الحكّام يستبدون أحيانا بحقوق المسيحيين .
يظهر بداية أن " الامتيازات " المذهبية مؤسسة على دعائم طبيعية وشرعية ويورد حقبات من تاريخ
الممالك الإسلامية تؤيد ما تضمنته وأساليب تطبيقها .
يصل إلى " خالد ابن الوليد " ، ويصفه بأشهر فاتحي بلاد الشام ، وما قام به بحيث امن المسيحيين ومنحهم نفس الامتيازات وأضاف عليها اقامت معاملاتهم وعلاقاتهم المدنية أمام رؤسائهم الروحيين إضافة لسجلات القيود والمقاولات بين رعيتهم . ومنها أيضا :
أ - الخليفة " الوليد " بعد غضبته ورجوعه عن تعهد " خالد " للمسيحيين الدمشقيين فالتجأوا إلى خليقته
" عمر " سنة 771 ب. م. والتمسوا إصلاح الحيف فأسرع وردّ لهم جميع الحقوق بمواثيق خطية .
ب - غضب و نفور وقع من الخليفة الفاطمي " الحاكم بأمر الله " فقرر دوس حقوق المسيحيين لكنه عاد
فأمر بالمحافظة عليها وأعاد بناء كنيسة القيامة التي كانت احترقت وتمت أعمال ذلك زمن ابنه وخليفته
" المعتصم بالله " .
امتيازات المسيحيين بدأ من عهد الخليفة " عمر " إلى آخر خلفائه اعتبرت من الحقوق المقدسة
ومن الأحكام المدنية التي يجب العمل بها في الممالك الإسلامية – ( آخر فقرة من الصفحة 8 ) .
ولما قامت الدولة العثمانية أخذت هذه المبادئ وطبقتها ولا سيما عندما جاورت الممالك المسيحية
في أوروبا وكان من مصالحها استمالة رعاياها وتأمينهم على الإخلاد إلى " الهدو " بالمحافظة على
حقوقهم الملية .
وهنا يثبت تمسّك " محمد الفاتح " بهذا المبدأ آخذا العبرة من حوادث 1204 – 1262 عندما
تملّك الإفرنج على القسطنطينية *2 ووطد علاقته بالكنيسة أكثر مما كانت على زمن الخلفاء ،
من العرب ، ومنح البطريرك " جناديوس " ، حقوقا و عهودا ، وسلمه بيده عصا ذهبية مرصّعة بالحجارة الكريمة ومما قاله له :
" كن بطريركا بسلام وحافظ على صداقاتنا وتمتع بجميع الحقوق التي كانت لأسلافك " .
وقد اعترف بالبطريرك رئسا للملة ( ملت باشي ) وأعطي براءة أكثر موادها من القوانين البيزنطية .
ولهذا السبب كل الحقوق والألقاب التي كان خلفاء الأسرة " الباليوغلوسية " يمنحوها لكثيرين
من الأمراء المسيحيين في الغرب والشمال لم يكن لها ادني اثر في قلوب المسيحيين الخاضعين للسلطان
ما داموا آمنين بشخص رئيسهم الديني يحفظ جنسهم وتنظم شؤونهم ومعاملاتهم " بنظامات مدنية "
منطبقة على مباديهم و معتقداتهم الدينية – ص: 10 و 11 من الوثيقة .
أما عن البراآت التي تعطى الآن ، زمن الوثيقة ، فهي خيال ضعيف بعد استبداد كثيرين اثر نمو الانكشارية . حيث عمل على تعديل الكثير من الحقوق . لكن بالرغم من هذا الاستبداد لم تتزعزع أسس الامتيازات المذهبية لاعتبارها جزء من عهد الله وصاحب الدعوة الإسلامية .
وحين شاء السلطان " سليم الأول " الاستيلاء على " المعابد " المسيحية محاولا إرغام المسيحيين على التحول إلى الإسلام ليتلاشوا في مملكته . قام احد مشاهير علماء الشرع في أيامه وهو السيد " علي جمالي " واستدرك المفاسد التي تتهدد المملكة العثمانية من هذا الأمر ونصح بطريرك القسطنطينية أن
يتسلح " بالعهدة " وساعده بذلك "بيري باشا " حيث تم إقناع السلطان أن الحقوق المدنية استنادا إلى
الشرع والمواثيق والتعهدات هي لمصلحة المملكة الحقيقية . ص:12 تقرير " عالي باشا " *3 .
صحيح أن البراءة الأولى فقدت واحترقت غير أن جمع من المؤرخين يؤكدون أن هذه البراءة خولت البطريرك "جناديوس " الحرية المذهبية ومطلق الاستقلال في الشؤون الروحية وإدارة جميع العلاقات مع السلطة في محاكمة شعبه في أمور الجنايات والخصومات العادية .
صلاحيات جامعة مانعة
كان البطريرك ينظر في جميع الدعاوي المدنية والجزائية في بطريركية القسطنطينية واحتفظ بجميع الكنائس ما عدا كنيسة " اجيا صوفيا " . ومن ضمن الدعاوي والمحاكمات كل أمور الزواج والطلاق والسرقات والجنح وكانت المحكمة مؤلفة من " الاكليروس " بدرجاتهم العليا . وعلى السلطات العسكرية أن تنفّذ قرارات البطريرك والمطارنة حيث لكل واحد سلطة إصدار الأحكام بين أبناء رعاياه وحتى بين من يحتكم له من الأرمن والمسلمين بطلب منهم . وللبطريرك أن يصدر حكم بالنفي لا يمكن أن يوقف حتى ولو تحو!ّل المحكوم إلى الإسلام واعتنقه دينا. كما له أن ينشىء مدارس وينفق عليها ويشرف على دروسها وكتبها ويمنع الكتب المضرة .
كل هذه السلطات كانت موضوع ملاحظات من قبل مسؤولين في مواقع سياسية تركزت حول نظام شؤون
المسيحيين الذي اعترف بها الخط الهمايوني الصادر سنة 1856 ..
وهي معاهدة من سلسلة المعاهدات والمواثيق التي وضعت من بعد الفتح ، للقسطنطينية ، أولها معاهدة بين
ملك فرنسا فرنسيس الأول والسلطان سليمان القانوني ، وهو معتبر سلطان شديد البأس ، الذي قبل المعاهدة
لأنه يرعاها الدين الإسلامي وحافظ عليها . وينسحب هذا الأمر على السلطات الممنوحة للقناصل وهي تشبه سلطات البطريرك على رعاياه وبالتالي للقنصل على رعايا دولته .
معاهدات .. معاهدات
من المعاهدات ومن أولها معاهدة مع جمهورية البندقية 1718 وأخرى مع دول غيرها سنة 1740 تتشابه بنود هذه المعاهدات مع براآت السلطنة المعطاة للبطاركة .
* وذلك بشهادة العلامة jules gauvet عنوانها " يوستينيانوس ومآثره التشريعية "
- ص : 17 الوثيقة .
** بالمقابل إدارة كل هذه الشؤون أناطتها الشريعة الإسلامية برتبة " العلماء " عند المسلمين .
*** مسألة حقوق وامتيازات المسيحيين كانت إحدى شروط معاهدة " قينارجك " و " أدرنة "
وبموجبها كان لروسيا حق المحاماة عن المسيحيين .
وعلى اثر حرب الفرم .. وتحالف الانكليز والفرنسيين مع الأتراك بمواجهة روسيا . ومع وجود هاجس
تقديم تعهد لا يتم الرجوع عنه وعلى اثر معاهدة " باريس " ..
قدّم السلطان " عبد الحميد " تعهدات الحكومة الرسمية للشعوب المسيحية .
مضمونه يستند إلى :
أولا : فرمان إلى البطريرك " جرمانوس " أيار 1853
ثانيا : إعلان رسمي – تعهدات دولية حزيران 1853
ثالثا : مذكرة " عالي باشا " أيار 1855
عمل رجالات الدولة تباعا على نشر تطمينات للدول المسيحية الأوروبية التي تتكفل أمامها بالمحافظة على امتيازات المسيحيين والتطمينات هي :
أولا : الشريعة الإسلامية تحترم الامتيازات
ثانيا : شرف السلاطين لا يمكنهم بان ينكثوا بوعودهم
ثالثا : اهتمام الحكومة العثمانية بالعناية برعاياها المسيحيين
رابعا : معرفة هذه الحكومة لمصالحها الثمينة .
اعترف بذلك الخط الهمايوني 18 شباط 1858 الذي اعترف بالمساواة .. " حيث يتسنى العمل إلى سعادة أهالي السلطنة بأسرها المسلمين وغير المسلمين وتؤيد المساواة التامة بينهم " (..)
وضع هذا الخط الهمايوني بالفرنسية ونشر أول مرة في " المونيتور " ، " Moniteur " ، الجريدة الرسمية في باريس وذلك في 9 آذار 1856 وبحث ضمن المؤتمر المنعقد فيها جلسة 25 آذار 1856 .
واثر التقرير الذي وضعه " البرنس غورتشاكوف " أثناء الثورة الكريتية 1866 وبرهن فيه أن الدولة
التركية غير قادرة على الحفاظ على تعهداتها .
أجابه " فؤاد باشا " وزير الخارجية التركية ، من خلال تقريرين 13 و25 أيار 1867 ، معتبرا ما يقوله
تأكيدا للتعهدات وتكرارا و تفسيرا للخط الهمايوني الصادر 1856 .
خلفية " ديموغرافية مذهبية "
و " خريطة الصحف الطرابلسية " أيامها :
لو حاولنا وضع تصور عن الواقع الديموغرافي للمسيحيين في طرابلس كما عن الحريات الصحافية في السنوات
القريبة من تاريخ إصدار هذه الوثيقة فبالإمكان الوقوف على بعض العناوين الحقائق وهي :
أولا : يتحدث الباحث الأديب مارون عيسى ألخوري ، في مداخلته المقدمة لمؤتمر " طرابلس عيش واحد " الذي
اشرف عليه د. عبد الغني عماد بالشراكة مع جمعية العزم والسعادة ، عن الحضور المسيحي في كافة أحياء
المدينة و تفاوت نسبه من 9% إلى 80% مما يعني الاختلاط الدائم ، في كل الأماكن ، مع وجود بعض
الأحياء المفضلة لهذه المجموعة أو تلك . وقد أورد من ناحية الثروات أن أصحابها و منشئي القصور
موزعين بشكل لا يفرق بين واحد و آخر "... والحق أن في مناخ الغنى عاش أثرياء المسلمين والمسيحيين
في بحبوحة ونعيم ،ولم يكن للدين يد في ذلك ."
(..) " فقد شيدت قصور ودور شتى لم يكن للمسلمين أنفسهم مثيل لها في أنحاء المدينة كقصر كاتسفليس وآل
صدقة ودور نوفل و غريّب " (...) مع العلم والأكيد انه "(..) عاش عامة المسلمين والمسيحيين عيشا واحدا
سادته القلة والعسر والحاجة ". أما في دراسته* ، عن المؤرخ يوسف الحكيم ، فيورد د. عبد الله حنا ،
الأستاذ في جامعة دمشق ،الآتي : " يتجاوز عدد النفوس في مدينة طرابلس والميناء معا العام 1911
خمسين ألفا ، ثلاثة أرباعهم من المسلمين السنيين والربع من المسيحيين معظمهم أرثوذكس . ويسود الجميع
الإخاء الوطني (...) "
ثانيا : بإمكاننا الإشارة إلى انه ، في حينه وحتى عام 1912 ، بالتزامن مع صدور هذه الوثيقة " الملحق " كان
يصدر في طرابلس ، بشكل جريدة أو مجلة ، وانطلاقا منها ومنذ أول مطبوعة صحافية جريدة "طرابلس"
سنة 1893 ، وبذلك تمر هذه السنة الذكرى 125 على صدورها ، فهي على التوالي بعدها : الرغائب ،
المباحث ، العثماني ، جامعة الفنون ، كراكوز ، شمس الاتحاد ،الأجيال ، مشهد الأحوال ، الوجدان ،
النهضة ، بشراي ، السعدان ، المحامي ، البيان ،البرهان ، المدلل ووصولا إلى " الحوادث " آخرها
صدورا والمنشأة في 1911 .*
مما يعنيه هذا الكمّ من المطبوعات الصحافية ، ولو تجاوزنا الحديث عن الوتيرة والاحتجاب وصعوبات الرقابة والمنع
وغيره من الأمور التي كانت تجود به السلطات على هذا الجسم تلك الأيام ، فهو انه يؤكد على حالة من الحيوية المجتمعية والفكرية كانت تتمتع بها المدينة بدون أدنى شك . كما إنها تشير إلى حجم انغماس ، النخب ،فيها في الحياة السياسية من ضمن ما تسمح به قوانين السلطنة .
جان رطل
هوامش :
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1- *عن كتاب " عاطف عطية " : " لطف الله خلاط الصحافة بين الدين و السياسة "،ص: 54 ،
من ضمن سلسلة شهادات النهار / دار النهار – شباط 1999
2- حيث أن الصليبيين افتتحوها سنة 1204 وأسسوا فيها مملكة لاتينية واضطهدوا الأرثوذكس إلى درجة أحرجتهم فأثارتهم
وهجموا على " اللاتين " وطردوهم منها سنة 1261 .
3- يرد في التقرير ، سنة 1853 ، كيف أن التعديات من الانكشارية على المسيحيين سببت مداخلات الأجانب في معاهدات
" قينارجه " و " أدرنه " اعترفت الدولة العثمانية أن لروسيا حق المحاماة عن المسيحيين الأرثوذكس .
4- للمزيد مراجعة كتاب المجلس الثقافي للبنان الشمالي " صحافة طرابلس والشمال – في مئة عام " الصادر عن المجلس و
جرّوس برس – عام 1996 .
5- من كتاب " مساهمة المؤرخين الأرثوذكس في التأريخ " الصادر عن جامعة البلمند - معهد التاريخ والآثار ودراسات
الشرق الأدنى سنة 2007 .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق