الاثنين، أبريل 23، 2012

" مدينة كلّ العصور "

استمهلت الكلام ، على اثر وازن " مربّع " ، كانت الإرادة اختارت له أن يسمى " طرابلس مدينة كلّ العصور " ، انه كتاب فاخر من صور ونصوص ، قد يحلو التقاعس أمام اختبار العين لتركها تتمرا بالصور والكلمات والشكل الحسن !غير أني أدركت أن على من يتواجه مع هذا الكتاب عليه أن يستنفر كامل عدته ويبحث في جعبته عن ذاكرة متعددة الوسائط ليحقق ويتحقق من مسار قطعته دفتيه وومضات آلاف العيون التي خزنت ما جرى!
على بساطته ولطافة فكرته وفخامة حلته وأناقة ترتيبه، وأمور أخرى قد تكون فيه وصادرة عنه ، يبقى انه بداية ومبتدأ كونه كتاب عن طرابلس غير مسبوق في نوعه وبأسلوب تناوله لموضوعه .كتاب شبه مربع هو حصيلة جهود كثيرين لكن الواضح أن مطلق الفكرة ، التي احتاجت لوقت طويل لانجازها ، هو رئيس جامعة البلمند د. أيلي سالم صاحب الألقاب الكثيرة والمواقع العديدة التي شغلها ، ويعرفها عنه الكثيرون ، ولأنه رئيس الجامعة فهو لا يتوقف عن إطلاق المبادرات ويسيرها عبر "خريطة" مفصلة بإرادته ورسمه لها الخطوط العامة كما يوفر لها الإمكانات والأفراد المؤهلين ويعمل على حث الجميع على الوصول إلى نقطة ، لعله فيما يخص الكتاب ، لخصتها شذرات من كلماته بإمكانها البوح والإعلان صراحة عما يريد :" وأنا انظر من على هذه التلة البلمندية الخلابة إلى مدينة طرابلس التي درست فيها خلال سني المراهقة والتي أتوق إلى زيارتها والسير في شوارعها وأزقتها (..)
فطرابلس هي المدينة ، هي محط أنظاري منذ طفولتي . كنت اسمع المرحوم والدي يقول " لننزل إلى المدينة " ولا حاجة للتسمية لان المدينة هي طرابلس ." 
هذه الفكرة حاضرة بصلابة من العنوان وعبر نتاج أربعة أساسيين ، ثلاثة مع الرئيس ، د. هند أديب للنص الممسوك والمعد من أكثر من مصدر تاريخي وأدبي ، السا دورليان المشتغلة على كل صفحة بتنوع مضمونها أكان صورة أو نص بالعربي أو بالانكليزي وما حققته عبر الكادر والزخرفة وما شابه وأخيرا ماريو سابا ، الغائب الحاضر ، في واحدة من إطلالاته الفوتوغرافية الواسعة بالمدى والأثر ،سبق له أن أتم كتاب الأديار الأرثوذكسية الإنطاكية و صور لحرم جامعة البلمند ، والذي ترك لخطف صور المدينة سنة ويزيد من المثابرة ما يعني ذلك الفصول المتعاقبة والأزمان المتلونة بحضور الشمس أو اختفائها خلف الغيوم أو في انتهاء دورتها اليومية .
أسماء أخرى لها بعض المهمات ، كالترجمة ، وأسماء أيضا قد تكون أغفلت أو لم تظهر في الصفحة التعريفية لان ما قامت به من عمل لا اسم له أو لا صفة واضحة محددة ! لتبدو أن فيما يعني النتيجة فهو حصيلة ورشة كبيرة عمل الكل فيها بجهد وتأن .
لكن ما يلفت في هذا العمل ، وبمقاييسه ، هو السؤال المتعلق عن انخراط " ماريو سابا "، المغاير والمختلف المتفلت والمتفجر، بمشروع على هذا المستوى من الجدية و لكن عبر الانغماس العضوي ، لهدف محدد مسبقا ، بدون أن نخرج بمسلمة صارخة وهي أن "ماريو" كان يعشق طرابلس .وكرما لعيونها أحنى نزقه وتوقه للحرية ليقدم ما صور . قد يكون له وجهة نظر أخرى ، نقدية أكثر ، عبر عنها من خلال صور ، كثيرة تركها خارج الكتاب نخرج منها بنتائج مختلفة ، وصرح بذلك لأصدقائه ولكاتب المقالة انه يملك ما يكفي لتكوين كتاب ثان ، إلا انه ترك لقدميه أن تقودانه ببوصلة عينه والكاميرا لفترة تتجاوز السنة الكاملة كما سيق الإشارة خرج منها بحصيلة من سعى ليراقب يؤخر ويقدم يوازن ويؤلف صورا لمدينة لم يغادرها ، حتى ولو أراد أن يخرج منها وعليها لكنه لم يقوى على ذلك ، فالأماكن تحولت نصب والزوايا قاربت اللوحات والتفاصيل تشابه التعاويذ !
 الصور تخطف من كل الفصول حساسيات نورها المنطبعة ألوانا تشرق أو تبهت على الأسطح الحديثة أو" المطربشة " بالقرميد المعاند هنا وهناك  من منازل لعلية القوم أو للعائلات المتجذره في وسط المدينة أو خلافه ضمن ترتيب انسكب في اثنا عشرة فصلا أو باقة انحصرت في واجهات المدينة ومداخلها الأربعة ! من خلال الصور والنصوص التي وافتها نرتحل عبر القلاع ، دور العبادة ، الأسواق -  الخانات – الحمامات ، الأزقة و الأدراج، الأحياء ساحاتها حدائقها منازلها ، الأبواب والنوافذ ، الحرف والمهن التقليدية ،المقاهي ، وجوه وسمات ، المراكز الثقافية و الجامعات ، الميناء واجهة بحرية ، مشاهد عامة . كلها تعكس وجوه المدينة عبر العصور ، مؤكدة على عمرانها وطبقات المؤثرات فيها ، وتماسك البقايا واتكاءها حجر على حجر أليس هذا ما تقوله واحدة من الصور التي تأخذ من تفصيل الجدار الغربي "للقلعة" موقعا لها !. تنفتح دفتي الكتاب بصورة للقلعة من الغرب تدخلها بين النسيج ألمديني من عمران ويترك لجبل "تربل" أن يكللها ويرتفع فوقها كما يختار ألوان قريبة من " السيبيا " والأسود مع الأبيض الرمادي وهي هنا تلمح المدخل الشمالي للمدينة  وتنغلق الصفحات على صورة زنار خلف زنار يحيط بالامتداد الجنوبي للمنطقة الحديثة المكونة من فراغ المليون متر " معرض " وما حوله من طريق سريع يوصل باوتستراد بيروت " العاصمة " ساعة غروب ،يؤكده بريق صفحات مياه البحر، إنما اللافت هذا الجو الخريفي المؤكد عليه من دخان يسير في مفاصل المشهد يصدر عن ! لنقول انه بقايا بستان كان هناك؟.من المنطقي أن يؤخذ على الكتاب إغفاله للعديد من الأنشطة والمظاهر والشخصيات والمقامات وقد ندخل في التفصيل إنما ما اثبت يكاد لا يغيب عنه ملمح مما يشير إلى العيش المعاصر ووجوهه .
جامع طينال وان اعتبره البعض ليس الأكثر جمالا غير انه من خلال الصور أليلية والأخرى المزينة بالنخيل والمساحات الخضراء النهارية بدا الأكثر جلالا و اتساعا وتركيبا معماريا اخذ من كل العصور ولعل المدى المضاف الواصل عبر الحديقة هو ما أكمل المشهد وزخرفه بملامح حديثة من البلكسي أو الفايبر أو مزيدا من الباطون المسلح جنبا إلى جنب مع المقاعد والماء والعشب الأخضر . لكل جامع ما ميزه بين القباب والأفاريز والمقرنصات والمآذن على أنواعها من خيار اللقطات وكذلك تم التعامل مع الكنائس من أقدمها إلى أكثرها حداثة .
مع الأسواق يبدأ دخول الناس إلى التكوين العام للمشهد وهم في معظمهم لا يبدون منتبهين لمن يخطف الصور فالحركة طبيعية و ناشطة وأكثر صورها تعبيرا عن هذا الأمر واحدة اتخذت  "المسمكة" موضوعا لها . بين "العطارين" و "البازركان" الألوان تحكي حكايتها المنطلقة من أي قدرة على التحليل والبحث في فلسفة الجماليات! الأقمشة هنا تستبق الذهب لتحل ضيفة على مشهد ينزلق من الصفحات ليصل الصابون .قباب الحمامات من الداخل النظر إلى فوق إلى فتحاتها ،هو ما يشغل ماريو ، باحثا عبرها عن مصادر النور من الشبابيك والثريات النازلة ثم إلى التقرب من السقوف الموزع عليها الفتوحات الزجاجية التي تنتشر على قباب الحمامات تقليديا ، سامحة للنور والدفء أن يسكن الجدران ،وكأنه من خلال هذه الزيارة يدلف خارجا إلى الأزقة والأدراج بشكل طبيعي . يعاود "ماريو" التعامل مع المكان الفارغ ، العمارة ،أو المشهد البعيد البانورامي ، يخترع الصورة من ما تعطيه الطبيعة ! قصر البلدي الميناء المنعكسة واجهته على صفحة مياه الأمطار يقابلها صورة مبنى بلدية طرابلس منعكسا على سقف سيارة في نقطة عجقة سير !
تتعدد اللمحات السريعة التي لها علاقة بالحياة المدنية اليومية ولكن توقيع "ماريو" الشخصي أتاني عبر ولوج احدهم ، يقطع من رصيف إلى آخر وهو يحمل الشمسية ، باتجاه مقهى الرصيف الذي يرتاده عادة وكذلك الصورة التي صورت عجقة حانة يرتادها للسهر والسمر وفي العمق وعلى جدرانها الظاهر في العمق نسخة من "يوتوبيا " واحدة من مشاريعه التي شغل بها الناس .
الزخرفات والكادرات ، في الكتاب ،مثلت إضافة مختلفة لكل باقة أو فصل وكذلك النصوص التي تعدت التقميش التاريخي والتوثيقي إلى اختيارات محددة لفقرات من نتاج أدباء سبق لهم وتحدثوا عن المدينة عبر عصورها وألوانها والفصول .   

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق