"سينالكول" شيء من طرابلس
وكثير من الحروب في دواخلنا
للاقتراب من رواية الياس خوري الاخيرة "سينالكول" ومن زاوية ،خاصة جدا تسمح بها،لوجود احتمالات التأويل الممكنة وذلك عبرما تقدمه من أخبار عن طرابلس،ولو تصدّر ذلك عن خطأ غير مقصود ،الغلاف وهو يمثل زخرفة هندسية إقتبسها مصممه الفنان الحروفي "كمال بلاطة"،معتبرا اياه يأتي من جدار قبلة جامع البرطاسي وهوكما نصحح يأتي من جدار محراب جامع طينال- مستندين في ذلك على ما ورد في كتاب"الخط العربي في العمارة – الكتابات في الآثار اللأسلامية في مدينة طرابلس أيام المماليك" لناشريه،من بينهم،المؤسسة العربية للثقافة والفنون سنة 1999 صفحة115،وهذا كله أمر هامشي لا يقدّم ولا يؤخر،ولو من مقاربة خاصة، في مضمون الرواية واسلوبها وإن كان يقدم لها واجهة مملوكية معدّلة وفاخرة.
يتناسل من بين أخبار هذه الرواية مجموعة كبيرة من القصص ترتكز على ما تؤل اليه حالة الشقيقين كريم ونسيم،أبناء الصيدلاني نصري التوأم،بعد خمسة عشرة سنة على بداية الحرب الاهلية ،فيما اعتبر نهاية أولى لها،بحيث تختم الرواية على القصف العشوائي الذي إفتعله الجنرال الانقلابي مستبقا انهاؤه وبالتالي إنهاء حقبة .قصص "سينالكول" تتنقل ما بين الرمزية "المحفوظية" و الواقعية السحرية والتقليد "الشهرزادي" متقلبة من جانب الى آخر لتخرج بتشكيل واحدة من أكثر روايات الحرب اللبنانية "المستدامة"،بقدرما سمحت به قرآتي،تفكيكا وتوثيقا لما لفح أجيال المنخرطين فيها وما آلت اليه أحوال "الرفاق" و الإخوة من تقلبات وتحولات اخذتهم في رحلة البحث عن خلفيات نظرية ووصولا الى "مساس" الدهشة امام الكلام الشعبي المكثّف المحمّل بأكثر من معنى وخطاب!
هي رواية بمثابة"جدارية" ملحمية الاتساع،بسيطة في إقتناص الترداد والإسترسال،تقدم شخصية خلف شخصية،قطعة بشكل يختلف عما سيتبعها الى تفصيل بما يحاكي "الباتش ورك" الساحر بنتائجه،وإن كان من الواجب الملاحظة أن تجميع كهذا ومع التوسع الذي فيه لا بل إتساع رقع الجغرافيا البشرية،بشرائحها الانسانية المستهدفة وتنوعها هو بدون أدنى شك يحتاج الى جهد صحافي توثيقي معلوماتي لتامن المقاربة بعين الروائي،العازم على إحداث بعض التعديلات بالاسماء والاماكن بدون ان يخفي على القارىء انه بسهولة،لمن عايش المرحلة،يتمكن من إستحضار الاشخاص بوجوهها وكان الروائي يسعى الى "تكريم" هؤلاء بهذه اللفته الروائية التي ليست بالضرورة عملية بهرجة وافتخار ومديح إضافة الى الاماكن ووقائع الاحداث التي تجوب البلاد من شمالها الى جنوبها مع التركيز المنطقي على مدينتين طرابلس و بيروت.
لكن ما هو بديهي ان نلاحظ الفوارق بين "الحكاية" كما حصلت ،وعملية تحويلها الى رواية،فليست الكتابة ،هنا،جلسة حول الذكريات وزخرفتها بالاضافات التي تتقلب من مكان الى آخر ومن زمن الى ما قبله وأيضا الى ما بعده في حركة تشبه تقابلات وتراكمات"النول" الذي يحاك عليه،وبخيوطه الأفقية والعامودية وبالالوان المتعددة وبكثافاتها،بصبر وتأن ما يتراكب ويتجاور وينقسم ليتكامل .عامود القصة ،كما سبق الإشارة،كريم ونسيم الذين ماتت امهما باكرا فتفرغ والدهما الصيدلاني لتربيتهما فقدم،على قدر المستطاع،ومن خلال ذلك بما يشبه المسار المتعارض يرسم "كريم" خط حياته كطالب مجتهد ومتفوق الى حد ما و مناضل يساري على علاقة بالمنظمات الفلسطينية ومع ذلك يبدّل اخاه في الإمتحانات الرسمية واجتياز اختبارات الدخول للجامعة وبعد قصة حب مع "هدى" ومسيرة نضال فيها الانغماس والابتعاد على أكثر من خط يقررمن جهته الابتعاد والهجرة الى فرنسا حيث يصبح طبيب جلد يعشق ويرمم بشرة النساء ويتزوج من ممرضة بعد علاقة تبدا بتعارف حول اسمه "الحركي سينالكول" الذي هو تحريف لأسم "سينالكو" أحد ابطال الحرب في طرابلس،التي حيك على قامته الاساطير اين منها "قصص دولة المطلوبين" أو "وليام تل" الذي يسرق من الاغنياء ليعطي الفقراء.اما لماذا خياره الاسم الطرابلسي فهذا لأن الدورة التدريبية العسكرية كانت في المنطقة ومع شباب ،من قادتهم خالد النابلسي،وهم يؤلفون مجموعة على يسار اليسارتتصل بعلاقة وثيقة بحركة"فتح".طبعا تجري امورها ،لهذه المجموعة فتتحول،ولا يخفى على طرابلسي ،ان الأمر كله يعني "ابو عربي"،خليل عكاوي،القائد الشعبي الذي ترك في المدينة ذكرى طيبة عطرة شابتها عملية انهائه إغتيالا بمسحة من المشاعر المكبوته المتناقضة لعقدين من الزمن ويشرح البعض ،عملية إلغاؤه، برغبة ضمنية بوجوب تهميش وتفتيت تجربته في قيادة الناس الى احقاق مصالحهم،مع إنفاذ قرار اتخذ بطربوش أكبر قد لا يختلف على إجهاره احد الآن.في هذا السياق تأتي ربما علاقة"كريم" باحد قادة المقاومة الفلسطينية "ابو جهاد" من خلال نشاطه الثقافي وترجمته وكتابته لدراسة عن امور فلسطينية وهنا إذ يذكر "ابو جهاد" بالاسم فلأنه ليست كل الشخصيات مموهة الأسماء فترد احداث عن "غسان كنفاني" المعروف وعن اتفاق "كريم" مع السينمائي "مارون بغدادي"على مشاركته كتابة السيناريو للفيلم الذي كان يحضر له!ووصولا الى إيراد تفاصيل عن دراسة يجريها "ميشال سورا"حول واقع إمارات جماعات الحارة الأمة!حينما اتصل بالمجموعة الثورية التي أصبحت تهتم "بالاصلاح والدعوة" بدل اعتناقها موجة "المقاومة والغضب" ذاهبا ،ولو بفهم لنا ملتو ومقطّع،الى حد الحديث عن المثقفين الذين يشبهون الكهنة إسمعوا اقوالهم ولا تفعلوا أفعالهم.كما يورد تعليقا عما آلت اليه نهاية "سورا" الذي "تركوه يموت كالكلب لانه آمن بما آمنوا به!"
كثيرة ،من كل جانب، تأتي القصص وهي الى كونها تتحدث عن النضال و "الفدائيين" كما نتابع،عبرها، مذكرات واحوال "دلال المغربي" تحت إسم أراده الروائي "جمال سليم الجزائري" ومن خلال صفحات كتبتها لتلخص حياتها وبقلمها هي "كتبت عن كلّ شيء،وضعت إصبعها على مظاهر الفساد والإفساد في الثورة ،لكنها مع ذلك ذهبت الى موتها من أجل ثورة لم تعد تؤمن بأبنائها.هذه هي مفارقة موتها وسحر بطولتها " ندخل معها أيضا في الحياة العاطفية وآثار الحرب الاهلية والاعيب الصيدلاني في استدراج السيدات الى مختبره للادوية المنشطة ووصولا الى مراودته لحماة ابنه "نسيم" الذي يصل الى طلب الزواج منها الامر الذي كان ابتعد عن التفكير به منذ وقت طويل.لكن "سلمى" اكتفت من الرجال بعد ان تزوجت أولا من إبن الإقطاعي لكي لا يتحول ابوها،الذي عاكس التقاليد بتعليمها هي إبنة "خربة الراهب" في زمن كان تعليم البنات فيه من العيوب الى درجة المحرمات ،من ملاّك الى "عتال بمرفاء ميناء طرابلس بس ماتزعلي" لكنها بعد ثلاث اولاد ذكور وعند أول امتحان من نظرات المهندس إبن العائلة البيروتية الآتي الى عكار للتنمية الزراعية وقعت بالغرام تركت كل شيء ولم يتأخر زوجها ان اتم الصفقة مع المهندس فطلقها للتتزوج ويموت الزوج بعد وقت قصير،تاركا لها ابنتها، لتجاهد وقد شبعت اسى ورجال!
مشروع"كريم" ،بعودته لزيارة لبنان، هو لدراسة إمكانية انشاء "مستشفى" يتشارك به مع اخوه التوأم ،وللمكاشفة وتأدية حساب الذاكرة، المتمثلة بتناقضت اصابت علاقته بكثيرين منها انه احب "هند" وتركها لتتزوج من "نسيم" الذي صال وجال وتقلب مع الميليشيات اليمينية وتاجر بالممنوعات وهو الآن مع بعض التعثر يعرض عليه شراكة لبناء مستشفى، والمهندس المقترح لها الطرابلسي الذي يشرف على تهديم بعض الوسط في بيروت وزوجته ،العشيقة اللاحقة،تتكفل باعادته الى اماكن في كل الزوايا.وفي طرابلس يجول بين الذاكرة والاطايب،الحلاب للحلو ويتذكر حكاية "الفيصلية"ويستعيد الاسم الحقيقي"للسينالكو"إبراهيم الطرطوسي؟وبالوصول الى البترون طلبا لليموناضة تبادر احدى الشخصيات المرافقة "إذا رايحين عاالفيحا روح عالمينا عند "أشأش" هيدا قدام جامع الداكيز،بيعمل لموناضة على بوظة".ويأنس هناك عندها الى الخلطة التي تقدمها عائلة الداكيز ،عبر إحدى شخصيات الرواية،وهي تتحدث عن اصولها الصليبية وكيف دخلت في الاسلام مع أن صاحبنا المتحدث استاذ فلسفة درّس في "مار الياس" ويحب ترتيل "ديمتري كوتيا" البيزنطي"إذا بتسمعوا عم يرتّل،بتقول صوت بيفتح أبواب السما".
ويخبر عن القائد الشبه امي الذي قرر ان يكون "غيفارا" لبنان!الذي يرفض ان يقدم لاحد مذكراته المحتفظ بها وإن كان توجه اليه بالقول:"ناقص إتعلَم الاسلام من واحد ملحد شيوعي"!
قد تحتاج الرواية لجهد أكبر،لما تحويه من خطوط،لفك شيفرتها.إلا ان ما هو بارز فيها هذه السيولة الى جانب الأزدواجيات المتكررة،الاخ وتوأمه،البقاء أو المغادرة،بيروت تواجهها طرابلس!،الحب كماض وسلسلة العلاقات الطائرة،وهي كلها تتقطع اخبارها لتتصل على غير ميعاد واضح ومحدد.وما يفيض هو نتاج لغة سلسة مبسطة ،لكنها ليست بسيطة،تقارب الشعر وتستعير من الكلاسيكيات منه ابيات ومن النثر ما هو فلسفي وشاعري :"الانسان بيتغطى بالكلام كي لا يبرد،والكلام كالبذور يحتاج الى ارض تستقبله" ،"الناس عم تدعوس على ذاكرتها" ،"الثورة فشلت وما بقى منها الا الحرب الاهلية و خصوصي لما بتصير داخل بيتك" ،"الثورات في زمننا بحاجة الى آبار نفط".ولو أن الامر على هذه البنيان ،يمتعنا،فالكتابة على ما تقدمه رواية "سينالكول"،ليس بدون روح المعنى الذي يسمح لكاتبها ان يعترف امام القصف الذي يلاحق به "كريم" في محاولته الثانية بالنجاة من لبنان عبر المطار.انه يتجه نحو جداره ولا بد من "الموت" يصلح نها ية لرواية يكتبها الياس خوري.وكأن الكلام يجب أن يغطي المعنى ، كي يحافظ المعنى على معناه.

قصة حب مع هند وليس هدى! :)
ردحذفبأمرك انا
حذف