الاثنين، أبريل 23، 2012

حنين الى دفء صالات.. لن يعود!

لم امر مؤخرا  بوتيرة تختلف عن المعتاد في هذا الشارع انما ما استرعى انتباهي فهو تلك الورشة المجتزاه التي طالت واجهة سينما روكسي فحولت المدخل الى محل لبيع للبوظة والمرطبات و     من زمن بعيد يجول في الخاطر موضوع اغلاق صالات السينما في طرابلس. وكيف ان الامر تحول، مع انتشار صالات لعروض افلام الدرجة الاولى، من اماكن استقطاب وحركة وحيوية والتقاء اجتماعي ترفيهي جماعي، الى تحطم هذه الكأس.. من يمشي على رصيف بولفار فؤاد شهاب، انطلاقاً من مقهى الاندلس باتجاه مستديرة عبد الحميد كرامي، لا بد ان يلاحظ غياب سينمات بالاس، رومانس، شهرزاد، متروبول، كابيتول، كولورادو، ومن الجهة المقابلة سينما امير ريفولي، روكسي* واوبرا، وبالتأكيد سينما الدنيا والحمراء، في مقابل الامبير التي تجاهد لتبقى "وحيدة" مع الليدو بعد اندثار صالات الفيحاء وريكس واغلاق الكواكب في النجمة مع ساميراميس والشرق في ساحة النجمة. كل اسم من اسماء هذه الصالات كانت له صولات وجولات في عرض مختلف انواع الافلام السينمائية مع التأكيد على تخصص بعضها بنوع دون آخر.                                          
وثمة مجموعات كبرى من هذه الصالات ادارها، في مرحلة معينة بين اواسط الستينات وبدايات الحرب الاهلية، "الامبراطور".. كما كان يلقب في حينه رجل الاعمال الذي تحكم باكثر من ثمانية دور للسينما والمقصود هنا "عزمي رحيم" صاحب الاثر العظيم في تعميم صالات العرض في المدينة، والمشرف على توزيع "نوعيات الافلام" حسب الاحياء والجمهور من خلال امساكه بتوكيلات كبريات الشركات العربية والاجنبية.
في مرحلة ازدهار الخمسينات والستينات وصولاً الى بداية السبعينات، قبل الانهيار الذي تواصل مع بداية الحرب الاهلية حتى اواسط الثمانينات ومن ثم انتشار الفيديو، مثلت السينما، من خلال دور العرض ، جاذباً مهماً للاستثمارات فيما يعرف بـ"صناعة الترفيه" التي ترافق مع لبنان البحبوحة ورغد العيش للطبقة الوسطى. اماكن للاحلام كانت صالات السينما، تعرض كل ما تجود به مصانع القاهرة وهوليوود مع بعض استثناءات اوروبية (ايطالية وفرنسية). من موجة الافلام الغنائية الاستعراضية التي لمعت فيها صورة عبد الحليم حافظ وعبد الوهاب، وصولاً الى فريد الاطرش مروراً بالشراكة النسائية لشاديا وصباح وليلى مراد وغيرهم الكثيرون والكثيرات.. كل ذلك الدفق كان يغذي الوجدان!
على هامش هذا الحضور المكثف للسينما، لا يمكننا ان نغفل اطلاق التلفزيون لبرنامج اشتهر (المميزون)، تميز خلاله من طرابلس "المميزان" اميل شاهين وعصام قلاوون، اللذان كشفا عن شغف شديد بالسينما ومعرفة ببواطن اسرارها انطلاقاً من دراية مفصّلة بالعاملين على انتاج الافلام واسماء المخرجين والاساليب السينمائية وتاريخها والاستديوهات التي تخصصت بانواع سينمائية وغيرها الكثير الكثير من التواريخ والاسماء والتحليلات والمعلومات، ما جعل الاول (شاهين) محاضراً في الجامعة اللبنانية وجامعات خاصة اخرى، والاخر (قلاوون) خبيراً بالبرمجة لاكثر من محطة تلفزيونية، ومن اكثر الذين حققوا نجاحاً فردياً في ادارة "اندية السينما" جامعاً من خلالها بين الترفيهي والتثقيفي..
وفي معرض "رثاء" حال الاصالات الطرابلسية، بعض العزاء في ان نتعرف كيف وصل الاثنان الى هذه الهواية التي اصبحت احترافاً وتخصصاً، مع انهما درسا الاقتصاد والعلوم التجارية في الحياة العلمية العادية؟
"طاقة" شاهين!
اميل شاهين تحدث عن اول معرفته بالسينما من خلال "الطاقة" الصغيرة التي كانت تفضي الى شاشة سينما الدنيا، ما مكنه من مشاهدة نصف ما يعرض على الشاشة، مما حرك خياله على تصور احتمالات النصف الثاني. واعتبر ان امتلاك والده لمبنى سينما الامبير ساهم في تقريبه من السينما. هي، بالنسبة له، كانت حاضرة في المبنى الذي يقيم فيه. وبالتأكيد، لعبت صالات السينما المتنوعة في المحيط دوراً طبيعياً من خلال الارتياد شبه الدائم، والذي تحول الى هوس وتعلم ودراية فاحتراف.
.. ومجلة قلاوون!
اما عن بدايات عصام قلاوون فلم تكن بعيدة عن "التل" كثيراً، حيث ارتبطت بحي "باب الرمل" في منزل على مقربة من "سينما الشرق" التي كانت هي الاخرى تطل بشاشتها صيفاً على سطح المنزل الذي كان يسكن فيه. وكانت، ايامها، تعرض الافلام العربية بشكل اساسي لسعاد حسني وحسن يوسف. ولكن معرفته للسينما، في البدء، كانت في مدرسته الاولى (الطليان)، حيث كان الرهبان يعرضون على مسرحها كل يوم خميس، فيلماً في النصف الثاني من النهار الدراسي. وكانت الحصة الكبرى لافلام الوسترن السباغيتي، وماشيستي.. والافلام المستقاة من التاريخ البطولي الروماني. ويتذكر "قلاوون" انه كان بالامكان ان لا يحب السينما مطلقاً بعد التجربة المؤلمة التي تعرض لها اثناء حضوره لاول فيلم سينمائي في المدرسة حيث انه جلس في الصفوف الامامية (ما يتناسب مع قصر قامته) وهذا ما جعله على مقربة من الشاشة حيث دار فيلم مرعب عن الغوريلا الضخمة. ولم ينه العرض، الا بعد ان نشفت دموعه التي انهمرت طوال الفيلم. اما السحر الحقيقي الذي وقع فيه قلاوون، كان من خلال تعرفه على قصاصات مجلة سيني ريفو "Cine Revue" التي حصل عليها من بائع السكاكر والبزورات في الحي.
مع قراءة اخبار المشاهير ومتابعة ما يصنعون كانت البداية التي احس بها الاهل، واعتبروا الاهتمام منافياً لمتابعة الولد دراسته، فساومهم "عصام" الصغير بالتوقف عن "المراتب الاولى"، اذا لم تحقق رغبته في شراء عدد جديد من المجلة التي تعرف عليها! وكان له ما اراد. ثم كرت الحكاية التي يعرفها الجميع عندما شب "عصام قلاوون" ليتحول الى مرجع مميز في متابعة شؤون السينما، وهو حالياً عامل في اكثر من لجنة رسمية (وغير رسمية) خاصة بالفن السابع. اضافة الى نشاطه في اطلاق المهرجانات السينمائية  في اكثر من مكان، على امل ان تصل طرابلس لتستفيد المدينة من خبرات من ولد فيها وكون ثقافته السينمائية بين دور عروضها الزاهية التي تلونت شاشاتها بالف لون ولون!
هل نسينا شيئاً؟ في مرحلة متأخرة من احوال الصالات، تمدد بعضها الى شوارع الثقافة وعزمي: البلاديوم وسارولا اللتان ختم الصبر من خلالهما حلم زمن ذهب الى غير رجعة. كيف لا، ونحن نعيش زمن الفضائيات التي تغدق علينا  ثرثرتها بالمجان مدعومة بما يبث "سراً" على الانترنت. وبين هذا وذاك لن ننسى الـ DVD وCDV وما يمكن ان يسوق بشكل شعبي لاحقاً من تقنيات حديثة تدخل الافلام الى البيوت، فتخسر الصالات، أكثر فأكثر، جمهورها. اخيراً، صحيح ان صالات "البلانيت" في السيتي كوملكس تبقى الوحيدة التي تقدم خدمة الفن السابع (الذي خسر، منذ ايام قليلة، عرابه مارلون براندو) ولكن الى متى يا ترى!؟
* ملاحظة: قد تكون سينما "روكسي"، بغيابها التام كبناء، الوحيدة من بين باقي صالات العرض التي حظيت بتصويرها  سينمائياً في فيلم ارّخ للسينما اللبنانية اخرجته جوسلين صعب سنة 1995.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق