عفوي ومهضوم شربل روحانا.
لا ادري إن كانت هذه كلمات مناسبة وتفي بالغرض لوصف مؤلف موسيقي وعازف عود من درجة استثنائية. لكنه هكذا بدا لنا، وهذه كانت صورته عندما باشر لقاءه في القاعة الكبرى لدير سيدة البلمند البطريركي.
«العفوية»، قد تعبّر عن الأسلوب الذي يعزف به روحانا، وقد تكون تعبيرًا عن حرفيته العالية التحكم بكل تقنيات العزف على آلة العود التقليدية منها والمبتكرة. فبالقدر نفسه الذي أخذ عن أرباب مرحلة السماع، أخذ أيضًا عن مبتكرين مضيفًا إحساسه وبصماته الشخصية وأسلوب العزف المعتمد على الآلات الوترية الغربية، وبشكل أساسي ومحدّد آلة الغيتار، وذلك من خلال تشرّب طريقة النقر والضرب على الأوتار، والتعامل مع دوسات الزند. فروحانا يصل بذلك إلى ذرى فن العازف الذي يوهمك بسهولة ما يقوم به إلى درجة انك تكاد تصدّق!
إنه مؤلف موسيقي بمشروع واضح المعالم يمزج بين التراثي القديم وانتمائه إلى جذر صلب من المؤلفين النهضويين الذين اختاروا الفولكلور بأشكاله واختبروه، وإلى آخرين اهتموا بالتحديث الكامل عبر عملية التمازج بين أكثر من مؤثر ثقافي، ذلك الذي يعود إلى مصادر شرقية أو العالمية.
لعل تحيته الموجّهة لـ» فيليمون وهبة « تدخل ضمن هذا التوجه العام الذي يطبع عمله. فهو إذ يسعى لتقديم باقة من موسيقى الأغنيات التي شاعت واشتهرت لهذا الفنان، لا يكتفِ بصهرها وإلصاق الواحدة بالأخرى مسميًا إياها «فليمونيات»، بل يستعيد متن الأغنية ولازمتها فقط. فالأغنيات لم يستعدها موسيقيًا فحسب بل أضاف إليها مقدمات وتقاسيم من مقامات متناسقة، مطوّرًا الزخرفة وموسّعًا الجمل من خلال استعادات متماسكة. بدا وكأنه يؤلف مساحات من السلطنة «المدروسة»، والتفريد الممسوك بما تسمح به عملية الانتقال من لحن إلى آخر، ومن أغنية إلى ثانية. يتعدى الأمر مجرّد إعادة توزيع ودمج، إلى ابتكار فجوات لبعض الارتجالات والإضافات الطفيفة التي لا تؤثر على بنية اللحن إنما تضيف عليه المناخ الجميل.
يظهر هذا الأمر أكثر وضوحًا عند تقديمه للمقطوعة الموسيقية «رحيل الخضرجية»، من تأليف مرسيل خليفة، حيث بدت الزخرفة الموسيقية المقترحة كنسق إضافي على مقدمة القطعة الأصلية وسمحت لشريك شربل، إيلي خوري العازف المتعدّد المواهب والقادر على تقديم وصلات باهرة على العود والبزق والرق، بالتقسيم على البزق قبل الدخول باللازمة الموسيقية الراقصة التي استدرّت التصفيق وفقش الأصابع في أكثر من موضع.
هنا لا بد من الإشارة إلى الندية التي تمّت فيها تأدية الموسيقى في مقطوعات البرنامج بحيث قدم «إيلي خوري» أكثر من مداخلة. ففي استهلالية البرنامج وعبر مقطوعة «كرمالون»، كانت المحاورة تجري بين عودين بحيث يفرد العود الأول الجمل الموسيقية «بميلودياتها» ليستلم العود الثاني مع «إيلي» الإمساك بخيط القول انشاءًا للإيقاع أو المتابعة واستئناف «النوطات» بشكل متتالٍ. مع «سماعي بياتي»، أعاد شربل إدخالنا في لعبة أوزانه العشرة على نغمة «الدوغا»، وبعد أن يجول بمعونة الإيقاع الأنيق واللطيف من خلال مرافقة أمّنها «الرق» بأسلوب، نادرًا ما نستمع إليه بهذه الدقة والإتقان واللطافة، وبفعالية تامة تبرز القدرات التقنية العالية التي يمتلكها المتعدد المواهب إيلي خوري، ولاسيما دخوله في عمق الشراكة يذهب فيها شربل الكريم إلى أقصى احتمالاتها، إذ يقدّم للآخر كل ما يساعد على بروزه في أفضل الصور. الأمر الذي لا يُقْدم عليه كثيرون من متنافسي «الكار» نفسه. هذا التوجه الذي يعبّر عن كرم وانغماس كلّيين في إظهار الموسيقى في أبهى حللها، يبرز في «ما قبل الدوزان» الذي يكتفي روحانا بتقديم ما تحتاجه القطعة من إيقاع، فيشتغله نقرات على زند عوده بينما يعزف زميله ويفرّد وينطلق في قول المتن، ليتحوّل هو إلى مرافق وداعم.
من عودين متحاورين إلى عود مع بزق، وتبادل الأدوار في ما بينهم، إلى مداخلات إيقاعية من الرق ونقرات على زند العود بهذا التقشف، قُدّمت لنا موسيقى غنية وعميقة لم يكتفِ المؤلف والعازف، المتصل بنبض الجمهور وذوقه أن يجعل الأمسية تمضي من دون فاصل أسماه «همزة وصل» تضمن باقة من الأغنيات، المتحولة موسيقيًا، وهي من مخزون الذاكرة تعتبر تراثية أو من القديم الذي شاع («يا ويل يا ويل حالي أخذوا حبّي وراحوا شمالي»، «لمّا بدا يتثنّى.. وعدي ويا حيرتي»، «زوروني كل سنة مرّة... حرام تنسوني بالمرّة»، «يا زمان الوصل في الأندلس»، «يا بنات اسكندرية عشقكم حرام.. داب قلبي وداب جسمي كلّو من الغرام»).
عند هذا الحد، لم يكتف شربل وصاحبه إيلي بالعزف العاري - في أمسية «صقيعية» – والنظيف. فبعد أن باشر الدخول بعزف أغنيات «..الوصل»، طلب من الجمهور، أذا ما أحسّ انه يعرف الأغنية، ألاّ يكتمها في صدره فيبقها في القلب، فكان أن خرجت الألحان مدندنة حينًا ومتجرئة أحيانًا من تردّدات كأمواج تأتي وتنكسر على طول قاعة الدير التي غصت بالحضور في أمسية ساعة مختلفة من الوقت.. لكنها خارج الوقت الذي نعيشه
لا ادري إن كانت هذه كلمات مناسبة وتفي بالغرض لوصف مؤلف موسيقي وعازف عود من درجة استثنائية. لكنه هكذا بدا لنا، وهذه كانت صورته عندما باشر لقاءه في القاعة الكبرى لدير سيدة البلمند البطريركي.
«العفوية»، قد تعبّر عن الأسلوب الذي يعزف به روحانا، وقد تكون تعبيرًا عن حرفيته العالية التحكم بكل تقنيات العزف على آلة العود التقليدية منها والمبتكرة. فبالقدر نفسه الذي أخذ عن أرباب مرحلة السماع، أخذ أيضًا عن مبتكرين مضيفًا إحساسه وبصماته الشخصية وأسلوب العزف المعتمد على الآلات الوترية الغربية، وبشكل أساسي ومحدّد آلة الغيتار، وذلك من خلال تشرّب طريقة النقر والضرب على الأوتار، والتعامل مع دوسات الزند. فروحانا يصل بذلك إلى ذرى فن العازف الذي يوهمك بسهولة ما يقوم به إلى درجة انك تكاد تصدّق!
إنه مؤلف موسيقي بمشروع واضح المعالم يمزج بين التراثي القديم وانتمائه إلى جذر صلب من المؤلفين النهضويين الذين اختاروا الفولكلور بأشكاله واختبروه، وإلى آخرين اهتموا بالتحديث الكامل عبر عملية التمازج بين أكثر من مؤثر ثقافي، ذلك الذي يعود إلى مصادر شرقية أو العالمية.
لعل تحيته الموجّهة لـ» فيليمون وهبة « تدخل ضمن هذا التوجه العام الذي يطبع عمله. فهو إذ يسعى لتقديم باقة من موسيقى الأغنيات التي شاعت واشتهرت لهذا الفنان، لا يكتفِ بصهرها وإلصاق الواحدة بالأخرى مسميًا إياها «فليمونيات»، بل يستعيد متن الأغنية ولازمتها فقط. فالأغنيات لم يستعدها موسيقيًا فحسب بل أضاف إليها مقدمات وتقاسيم من مقامات متناسقة، مطوّرًا الزخرفة وموسّعًا الجمل من خلال استعادات متماسكة. بدا وكأنه يؤلف مساحات من السلطنة «المدروسة»، والتفريد الممسوك بما تسمح به عملية الانتقال من لحن إلى آخر، ومن أغنية إلى ثانية. يتعدى الأمر مجرّد إعادة توزيع ودمج، إلى ابتكار فجوات لبعض الارتجالات والإضافات الطفيفة التي لا تؤثر على بنية اللحن إنما تضيف عليه المناخ الجميل.
يظهر هذا الأمر أكثر وضوحًا عند تقديمه للمقطوعة الموسيقية «رحيل الخضرجية»، من تأليف مرسيل خليفة، حيث بدت الزخرفة الموسيقية المقترحة كنسق إضافي على مقدمة القطعة الأصلية وسمحت لشريك شربل، إيلي خوري العازف المتعدّد المواهب والقادر على تقديم وصلات باهرة على العود والبزق والرق، بالتقسيم على البزق قبل الدخول باللازمة الموسيقية الراقصة التي استدرّت التصفيق وفقش الأصابع في أكثر من موضع.
هنا لا بد من الإشارة إلى الندية التي تمّت فيها تأدية الموسيقى في مقطوعات البرنامج بحيث قدم «إيلي خوري» أكثر من مداخلة. ففي استهلالية البرنامج وعبر مقطوعة «كرمالون»، كانت المحاورة تجري بين عودين بحيث يفرد العود الأول الجمل الموسيقية «بميلودياتها» ليستلم العود الثاني مع «إيلي» الإمساك بخيط القول انشاءًا للإيقاع أو المتابعة واستئناف «النوطات» بشكل متتالٍ. مع «سماعي بياتي»، أعاد شربل إدخالنا في لعبة أوزانه العشرة على نغمة «الدوغا»، وبعد أن يجول بمعونة الإيقاع الأنيق واللطيف من خلال مرافقة أمّنها «الرق» بأسلوب، نادرًا ما نستمع إليه بهذه الدقة والإتقان واللطافة، وبفعالية تامة تبرز القدرات التقنية العالية التي يمتلكها المتعدد المواهب إيلي خوري، ولاسيما دخوله في عمق الشراكة يذهب فيها شربل الكريم إلى أقصى احتمالاتها، إذ يقدّم للآخر كل ما يساعد على بروزه في أفضل الصور. الأمر الذي لا يُقْدم عليه كثيرون من متنافسي «الكار» نفسه. هذا التوجه الذي يعبّر عن كرم وانغماس كلّيين في إظهار الموسيقى في أبهى حللها، يبرز في «ما قبل الدوزان» الذي يكتفي روحانا بتقديم ما تحتاجه القطعة من إيقاع، فيشتغله نقرات على زند عوده بينما يعزف زميله ويفرّد وينطلق في قول المتن، ليتحوّل هو إلى مرافق وداعم.
من عودين متحاورين إلى عود مع بزق، وتبادل الأدوار في ما بينهم، إلى مداخلات إيقاعية من الرق ونقرات على زند العود بهذا التقشف، قُدّمت لنا موسيقى غنية وعميقة لم يكتفِ المؤلف والعازف، المتصل بنبض الجمهور وذوقه أن يجعل الأمسية تمضي من دون فاصل أسماه «همزة وصل» تضمن باقة من الأغنيات، المتحولة موسيقيًا، وهي من مخزون الذاكرة تعتبر تراثية أو من القديم الذي شاع («يا ويل يا ويل حالي أخذوا حبّي وراحوا شمالي»، «لمّا بدا يتثنّى.. وعدي ويا حيرتي»، «زوروني كل سنة مرّة... حرام تنسوني بالمرّة»، «يا زمان الوصل في الأندلس»، «يا بنات اسكندرية عشقكم حرام.. داب قلبي وداب جسمي كلّو من الغرام»).
عند هذا الحد، لم يكتف شربل وصاحبه إيلي بالعزف العاري - في أمسية «صقيعية» – والنظيف. فبعد أن باشر الدخول بعزف أغنيات «..الوصل»، طلب من الجمهور، أذا ما أحسّ انه يعرف الأغنية، ألاّ يكتمها في صدره فيبقها في القلب، فكان أن خرجت الألحان مدندنة حينًا ومتجرئة أحيانًا من تردّدات كأمواج تأتي وتنكسر على طول قاعة الدير التي غصت بالحضور في أمسية ساعة مختلفة من الوقت.. لكنها خارج الوقت الذي نعيشه
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق