الاثنين، أبريل 23، 2012

«حارس الخراب» لأحمد العربي خميس في طرابلس

«حارس الخراب» عرض مسرحي مونودرامي لأحمد العربي خميس إعدادا وإخراجاً وفواز البسومي تمثيلاً، قُدم في مركز العزم الثقافي بيت الفن في الميناء، طرابلس. وهو تجربة ثانية نشاهدها، بعد زمن طويل، للمجموعة نفسها. هي الآن تقدم عملا بإعداد حر، أو باستخدامه كمنطلق أدبي، لمسرحية «الزبال» لممدوح عدوان. فمن خلال سيرة زبال «زاروب» في المخيم، وهنا يحاول العرض الهروب من الخاص إلى التعميم، إلى أي مخيم من المخيمات المنتشرة على الجغرافيا اللبنانية. فالحكاية وان كانت خاصة إلا أنها تخبر عن المفرد بصيغة الجمع، في محاولة لتمثيل الناس الساكنين للمخيمات في الشتات، بكل ما تعني هذه الخلفية من طرح للعيش اليومي والخروج منها إلى اختيارات ترفد الحكايات. هذه الصيغة سمحت بتقديم حياة «سعيد» العامل في وكالة غوث اللاجئين برتبة موظف ثابت، يؤمن عبرها معاشاً وحياة كريمة يبحث عنها كثر غيره. لكنه يعاني وضعاً اجتماعياً يجعله على الهامش في منطقة متأرجحة بين الاعتراف بقدراته، كمناضل ومقاتل فدائي سابق، والنظرة الدونية لشأن عمله! لكن هذه الخلفية التي يملكها وهذه الوظيفة بالذات تسمح له، أي للممثل البارع فواز، بالتقلب بين البيوت والأحداث والمواقع بسهولة وسلاسة لافتة. يتسم العرض بالأسلوب الانتقادي الساخر والجارح، في كوميديا سوداء تتناول على سبيل المثال تكوين المهرجانات والخطابية الصوتية التي تحاول أن تجد لها داعماً من ذاكرة كبار السن الحاضرين، في وقت يكون فيه المستفتى نائما، وأمام خلاف بين عائلتين وسقوط قتيلين نصل أخيرا إلى تكريس احدهما شهيداً يتبناه تنظيم والثاني يذهب إلى النسيان!
يحتل عمليا المشهدية ممثل واحد هو فواز البسومي يتنقل بين الأخبار وتجسيد الشخصية الرئيسة والشخصيات الأخرى بحيوية ونجاح، يساعده نص مجمّع بعناية وبأسلوب «الباتش وارك»، قطعة إلى جانب أخرى، ويستعين ببعض الغناء الفالت، وكأنه يستعيد بذلك موقع ووظيفة «الجوق» التقليدي في المسرح كمركز للأحداث ومستشرف لمعانيها، كما يساعد الممثل عنصر الأفلام المعروضة على شاشة تتحول كذلك، أحيانا، لتصبح أداة من أدوات «خيال الظل». كل هذه الوسائل تمر أمام المشاهد لتخلق أجواء مختلفة تساعد في تبديل إيقاعات ضرورية لحماية عصب العرض وانشداده بطريقة تسمح بانسيابية مبتغاة، ولكن، للأسف، شابه في هذا الاطار بعض الوهن والتأخير إلى حد البلادة في مواقع مختلفة أكثرها حساسية الانتقال من الممثل إلى العرض الفيلمي، مع ذلك ظهر الاستطلاع الذي تحدث عبر ناس المخيم عن «التوطين» كحل فني بارع ومتوازن وعبثي يعكس مختلف أوجه فهم الناس بلغة حادة مباشرة جنبا إلى جنب مع التفكير العميق بأسلوب لاذع وجارح وسريالي!، من ناحية خيال الظل يبدو الركون إليه كأنه للهروب من مواجهة الجمهور بالإيحاء الجنسي الفج والمباشر. غير انه ومرة ثانية تبرز قلة الحيلة والإمكانات البسيطة المتوافرة عائقا أمام الحفاظ على انسيابية وسرعة في التحرك بين زوايا المسرح ومستوياته، ما يجبر الممثل بالعمل على نقل قطع من الديكور بدون مسوغ درامي يبرر ذلك.
ولعل مشهد دفن الأم الذاهب في الحس المأسوي إلى أعمق لحظات الحزن الفجائعي ومن ثم الانتقال إلى السخرية والكوميديا السوداء هو من المشاهد التي يجب الوقوف عندها للحديث عن ممثل متمكن من كل وسائله التقنية والجسدية، ينتحب بدون إسراف أو كاريكاتورية، بصدق عفوي، ويحكي النكتة كأنه في جلسة سمر بين أصدقاء، ويغني الشيخ إمام من دون ادعاء أو افتعال.
العرض السابق «أفول القمر» الذي عرفنا على هذه المجموعة المجتهدة بقي في خيالنا أكثر تماسكا وتألقا

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق